قال ابن القيم - رحمه الله - [1] :"ومحاسبة النفس نوعان: نوع قبل العمل، ونوع بعده:"
فأما النوع الأول: فهو أن يقف عند أول همِّه وإرادته، ولا يُبادِر بالعمل حتى يتبيَّن له رُجحانه على ترْكه.
قال الحسن - رحمه الله:"رحِم الله عبدًا وقف عند همِّه، فإن كان لله مضى، وإن كان لغيره تأخَّر."
النوع الثاني:
محاسبة النفس بعد العمل، وهو ثلاثة أنواع:
أحدها: محاسبتها على طاعة قصَّرت فيها من حقِّ الله، فلم توقعها على الوجه الذي ينبغي.
وحقُّ الله تعالى في الطاعة ست أمور، وهي: الإخلاص في العمل، والنصيحة لله فيه، ومتابعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيه، وشهود مشهد الإحسان فيه، وشهود منَّة الله عليه، وشهود تقصيره فيه بعد ذلك كله.
فيُحاسِب نفسه هل وفَّى هذه المقامات حقَّها، وهل أتى بها في هذه الطاعة؟
الثاني: أن يُحاسِب نفسه على كلَّ عمل كان ترْكه خيرًا له من فِعله.
الثالث: أن يُحاسِب نفسه على أمر مباح أو معتاد، لِمَ فعَله؟ وهل أراد به اللهَ والدار الآخرة فيكون رابحًا، أو أراد به الدنيا وعاجِلها فيَخسِر ذلك الربح ويفوته الظَّفَر به.
وجماع ذلك: أن يُحاسب نفسه أولًا على الفرائض، فإن تذكَّر فيها نقصًا تَدارَكه إما بقضاء أو إصلاح.
ثم يُحاسبها على المناهي، فإن عرف أنه ارتكب منها شيئًا تَدارَكه بالتوبة والاستغفار والحسنات الماحية.
ثم يُحاسِب نفسه على الغفلة، فإن كان قد غفل عما خُلِق له تَدارَكه بالذِّكر والإقبال على الله تعالى.
ثم يحاسبها بما تكلَّم به أو مشت إليه رجلاه أو بطشت يداه أو سمعته أذناه، ماذا أردت بهذا؟ ولمن فعلته؟ وعلى أي وجه فعلته، فالأول سؤال عن الإخلاص، والثاني سؤال عن المتابعة، قال تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [الحجر: 92] ، وقال تعالى: فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ
(1) ... إغاثة اللهفان (1: 81 - 83) .