الثاني وهو أعلاها: أن يزيد عما تقدَّم فِعْل المندوبات وترْك المكروهات والاستبراء من الشهوات.
وقد وصَف الله تعالى المتَّقين فقال: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} [البقرة: 177] .
وثبت في الصحيحين والسنن من حديث النعمان بن بشير: (( مَن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعِرضه ) ).
قال الحسن البصري:"ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرًا من الحلال مخافة الحرام".
قال الحافظ ابن رجب:"أصل التقوى أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويَحذَره وقاية تَقيه منه" [1] .
وقال ابن كثير:"وأصل التقوى من التوقِّي مما يكره؛ لأن أصلها وقى من الوقاية" [2] .
وقد قيل: إن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - سأل أُبيَّ بن كعب عن التقوى، فقال له: أما سلكت طريقًا ذا شوك؟ قال: بلى، قال: فما عمِلت؟ قال: شمَّرتُ واجتهدت، قال: فذاك التقوى، وقد أخذ هذا المعنى المعتز فأنشد:
خلِّ الذنوبَ صغيرَها = وكبيرها ذاك التقى
واصنع كماشٍ فوق أر = ض الشوك يَحذَر ما يرى
لا تَحقِرنَّ صغيرةً = إن الجبال من الحصى
تقدَّم الكلام عن أصل التقوى ومَنشئها، وأما نهايتها وتمامها، فقد قال أبو الدرداء:"تمام التقوى أن يتَّقي الله العبدَ حتى يتَّقيه من مثقال ذرة، وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خَشية أن يكون حرامًا، يكون حجابًا بينه وبين الحرام".
وقال أيضًا:"لا يبلُغ العبد حقيقةَ التقوى حتى يدع ما لا بأس به حذرًا مما به بأس".
(1) جامع العلوم والحكم.
(2) تفسير ابن كثير (1: 40) .