الصفحة 19 من 35

وهو المشهد الأوفر، وهدف الصيام وغايته، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] .

قال ابن كثير:"لأن الصوم فيه تزكية للبدن وتضييق لمسالك الشيطان، ولهذا ثبت في الصحيحين: (( يا معشر الشباب مَن استطاع منكم الباءة فليتزوَّج؛ فإنه أغضُّ للبصر وأحصن للفرج، ومَن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجاء ) )" [1] .

"وهكذا تَبرُز الغاية الكبيرة من الصوم، إنها التقوى، فالتقوى هي التي تستيقظ في القلوب، وهي تؤدي هذه الفريضة، طاعة لله وإيثارًا لرضاه، والتقوى هي التي تَحرُس هذه القلوب من إفساد الصوم بالمعصية، ولو تلك التي تَهجِس في البال، والمخاطبون بهذا القرآن يعلمون مقام التقوى عند الله، ووزنها في ميزانه، فهي غاية تتطلَّع إليها أرواحهم، وهذا الصوم أداة من أدواتها وطريق موصل إليها، ومن ثَمَّ يرفعها القرآن أمام عيونهم هدفًا وضيئًا يتَّجِهون إليه عن طريق الصيام {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [البقرة: 73] " [2] .

قال طلق بن حبيب:"التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله، تخاف عقاب الله".

قال الحافظ ابن رجب:"ويدخل في التقوى الكاملة فِعْل الواجبات، وتَرْك المُحرَّمات والشبهات، وربما دخل فيها بعد ذلك فِعل المندوبات وترْك المكروهات، وهي أعلى درجات التقوى".

فعلى هذا فالتقوى درجات:

أولها: فِعْل الواجبات وترْك المحرَّمات، وهي درجة المُقتصِدين أصحاب اليمين.

قال ابن عباس:"المتَّقون الذين يَحذرون من الله وعقوبته في ترْك ما يعرفون من الهدى، ويرجون رحمته في تصديق ما جاء به".

وقال عمر بن عبدالعزيز:"ليس تقوى الله بصيام النهار ولا بقيام الليل والتخليط فيما بين ذلك، ولكن تقوى الله ترك ما حرَّم الله وأداء ما افترض الله، فمن رُزِق بعد ذلك خيرًا، فهو خير إلى خير".

(1) تفسير ابن كثير (1: 213) والحديث متفق عليه.

(2) في ظلال القرآن (1: 168) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت