الصفحة 16 من 35

ثبت في الصحيحين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( إن الله تعالى قال: كلُّ عملِ ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به ) ).

فأول مشهد يَشهده الصائمون مشهدَ توحيد الله - عز وجل - وتوحيد الله يَنقسِم إلى: توحيد الربوبيَّة، وتوحيد الإلهية، وتوحيد الأسماء والصفات.

فيشهد - أولًا - توحيد الربوبية بأنه - سبحانه - المتفرِّد في الكون بالخلق والإيجاد، والمُلْك والتصرف، فهو الذي خلَق الإنسان من العدم، وأسبَغ عليه النعم، فخلق العباد وخَلَق لهم ما في الأرض مباحًا طيبًا إلا ما حرَّمه عليهم: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29] .

وهو الذي أودع فيهم شهوةَ الطعام وشهوة النكاح، فقال تعالى ممتنًّا على عباده: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} [الأعراف: 189] .

واقتضت رحمة الله - تربيةً لنفوس عباده - أن يُزكِّي الإنسان لتسمو رُوحه، وليستعلي المؤمن بإيمانه على فتنةِ النَّفْس والشهوة، وثقلة اللحم والدم، والرغبة في المتاع والسلطان، فلم يتركه ربنا فريسة لشهواته وأهوائه، بل أمدَّه بما يُصلِحه بفريضة الصيام، فهو سبحانه (رب العالمين) الذي يتولَّى تربيتهم بما فيه صلاحهم.

فإذا شهد الصائم هذا المشهد ارتقى إلى مشهد الإلهية ومعنى الإلهية: هو توحيد الله بالعبادة فلا تُصرَف لغيره، وتفرُّده بالأمر، وذلك معنى قوله: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف: 54] ، فله الخلق - توحيد الربوبية - وله الأمر - توحيد الإلهية.

فهو - سبحانه - الذي يفرض حُكمَه فيبيح لعباده ما شاء ويُحرِّم عليهم ما شاء.

ويتجلى ذلك في الصيام فقد حرَّم عليهم ما أباحه لهم من الطعام والشراب والنكاح وقتًا من الزمان، وهو نهار رمضان، فإذا كان يوم العيد حرَّم عليهم صيام ذلك اليوم.

فسبحان من له الأمر! حرَّم عليهم الفِطر في نهار رمضان، وحرَّم عليهم الصوم يوم العيد.

فيشهد العبد بقلبه ربًّا جليلًا مستويًا على عرشه يأمر خلْقه بما شاء، وينهاهم عما شاء فيُحِل لهم ما يشاء ويُحرِّم عليهم ما يشاء، فهو الإله الحق.

فالحلال ما أحلَّه الله، والحرام ما حرَّمه الله، والدين ما شرعه الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت