يا ذا الذي ما كفاه الذنب في رجب = حتى عصى ربَّه في شهر شعبان
فاحمل على جسدٍ ترجو النجاة له = فسوف تُضرَم أجساد بنيران
كم كنت تعرِف ممن صام في سلفٍ = من بين أهل وجيران وإخوان
أفناهم الموت واستبقاك بعدهم = حيًّا، فما أقرب القاصي من الداني
ومُعجَبٌ بثياب العيد يَقطَعُها = فأصبحت في غدٍ أثواب أكفان
قال الحسن البصري - رحمه الله:"إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعِظ من نفسه، وكانت المحاسبة من همَّته".
وقال أيضًا:" {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} [القيامة: 2] ، لا تَلقى المؤمن إلا يُعاتِب نفسه: ماذا أردت بكلمتي، ماذا أردتُ بأكلتي، ماذا أردت بشربتي، والعاجز يَمضي قُدمًا لا يُعاتِب نفسه".
وقال ميمون بن مهران:"لا يكون الرجل تقيًّا حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه".
فلنحذر أنفسنا أن نكون مع الهالكين، ولننظر في صحائفنا لنمحو هذه الذنوب ولنشتري أنفسنا ولا نبيعها للهوى والمحرمات.
قال ابن القيم:"يا بائعًا نفسه بهوى مَن حبه ضنى، ووصله أذى، وحُسْنه إلى فناء، لقد بعت أَنفَس الأشياء بثمن بخس، كأنك لم تعرف قَدْر السلعة ولا خِسة الثمن، حتى إذا قدِمت يوم التغابن تبيَّن لك الغَبْن [1] في عَقد البيع".
اعرف قدرَ ما ضاع، وابكِ بكاء مَن يدري مقدار الفائت، واعلم أن محاسبة النفس هي طريق السالكين إلى ربهم، وزاد المؤمنين في آخرتهم، ورأس مال الفائزين في دنياهم ومعادهم.
فما نجا مَن نجا يوم القيامة إلا بمحاسبة النفس ومخالفة الهوى"فمَن حاسب نفسه قبل أن يُحاسَب خفَّ في القيامة حسابه، وحضر عند السؤال جوابه، وحَسُن منقلبه ومآبه، ومن لم يُحاسِب نفسه دامتْ حسرته، وطالت في عرصات القيامة وقفاته، وقادته إلى الخزي والمقت سيئاته" [2] .
(1) الغبن: الخسارة.
(2) إحياء علوم الدين (4: 381) .