ومن القصص التي أشار للأقوياء من أصحاب الهمم قصة موسى عليه السلام وابنة شعيب عليه السلام فقال تعالى {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} [القصص:26] وهي دليل على أن أصحاب الهمم والقوة لهم مكانة وعليهم يكثر الطلب كما أشار القرآن الكريم، لأن أمثالهم من يستأجر [1] .
-أخبار ساقطي الهمم الذين ذمهم القرآن:
ومن ذلك قصة خروج آدم عليه السلام من الجنة حيث خرج نتيجة قلة عزيمته في الإنتظار والصبر، فقال تعالى {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} [سورة طه:115] أي: عزيمة صادقة تحزم أموره؛ وتقطعها [2] ، وقلة العزم هنا مقابل التراخي وضعف الهمة.
وقال تعالى واصفًا حال اليهود الذين علموا فضعفت هممهم فلم يعملوا: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الجمعة:5] وقال في وصف أشباههم: {وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تعلموا} [سورة الأنعام:91] يعنى علمتم فلم تعملوا، فما ذلكم بعلم [3] .
عامة نصوص الترغيب والترهيب في الوحيين الشريفين؛ إنما ترمي إلى توليد قوة دافعة تحرك قلب المؤمن، وتوجهه إلى إقامة الطاعات، وتجنب المعاصي والمخالفات، وإلى بعث الهمة وتحريكها وحثها للتنافس في الخيرات، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصر [4] ، والآيات السابقة وغيرها من الآيات في مواضع وسور القرآن المختلفة (مثلًا) تدلل على أن علو الهمة هي صفة من صفات المؤمنين فالمؤمن شديد الإيمان والمراقبة لله هو شخص صاحب همة لا تفتر، وبأس شديد لا يضعف أو يطاله الوهن وصاحب مباداء أصيلة لا يتنازل عنها تؤول إلى نشاطات وأعمال دائمة ونافعة لا تنقطع، كما أنه صاحب عزيمة وإرادة لا تجعله يقبل بالدنية من أمره أو دينه، ولقد هبط القرآن بالثناء على أصحاب الهمم والعزائم العالية، وعلى رأسهم الأنبياء والمرسلون، وجعل أعلاهم مقامًا «أولي العزم من الرسل» ،وقد بيَّن سبب كونهم أهل العزم، وهو أنهم صبروا وثابروا، ودافعوا عن قضاياهم وظلوا مستمسكين بمبادئهم جادين في دعواهم غير متهاونين في تبليغها، شأنهم شأن الأنبياء الآخرين، غير أن
(1) -التحرير والتنوير (ج 21/ 105)
(2) - محمد أبو زهة- زهرة التفاسير (ج 9/ 4797)
(3) - علو الهمة (ص 126)
(4) - تيسير الكريم الرحمن للسعدي -ص 660