آلامهم كانت أكثر، وابتلاءاتهم كانت أشد، بينما كانت مواقفهم أصلب، ولذلك أشار القرآن أيضًا لأصحاب الهمم والعزائم الواهية وحذر المؤمنين من ضعف العزيمة والوهن حتى في أحلك المواقف والأحوال فقال تعالى: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139] وذلك لأن الوهن والحزن والانشغال عما أراده الله يورث الإنسان المذلة ويلقيه في غياهب الضياع، فالمؤمن القوي الذي لا يفتر ولا يتوقف عن المبادرة أحب إلى الله وأقرب إلى الامتثال لأوامره، لأنه يقف على أرض صلبة، غير حائر ولا مضطرب؛ فليس خليفة الله في أرضه مخلوقًا ضعيف الهمة والإرادة قابل للذل وللضياع، فقال تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [سورة آل عمران: 173] ، ولكم حثت الآيات المؤمنين على سرعة الاستجابة والتنافس لارتقاء منازل الأمور وبلوغ الريادة، وهو ما أكدته السنة المطهرة فيما روي عن حكيم بن حزام رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( اليد العليا خير من اليد السفلى ) ) [1] ، قال ابن بطال في شرح هذا الحديث أنه ندب إلى التعفف عن المسألة، وحض على معالي الأمور، وترك دنيئها، والله يحب معالي الأمور [2] ، يقول ابن مفلح نقلًا عن ابن الجوزي تأملت سبب الفضائل فإذا هو علو الهمة، وذلك أمر مركوز في الجبلة لا يحصل بالكسب [3] ، ولذلك فإن المؤمن الحق شديد المراقبة لله كلما بلغ منزلة من منازل النجاح كلما كان أكثر همة لبلوغ ما يعلوها، وصورة ذلك ما روي عن دكين الراجز قال: (أتيت عمر بن عبد العزيز بعد ما استُخلف أستنجز منه وعدًا كان وعدنيه، وهو والي المدينة، فقال لي: يا دكين، إن لي نفسًا توَّاقة، لم تزل تتوق إلى الإمارة، فلمَّا نلتها تاقت إلى الخلافة، فلما نلتها تاقت إلى الجنة) [4] .
(1) -رواه البخاري (1427) ، ورواه مسلم (1034)
(2) -شرح صحيح البخاري لإبن بطال: (ج 3/ 421)
(3) -ابن مفلح المقدسي - الفروع عالم الكتب- سنة النشر: 1405 هـ/1985 م (ج 1/ 534)
(4) - مقاصد المكلفين فيما يتعبد به لرب العالمين: