هنا وهناك لا تتقيد بتلك القيود الشكلية في الأيام العادية، وفي تسامح عجيب، وقبول للآخر، وانسجام حبيب مع الكون.
في رمضان تتكامل العبادات بالتسليم لبعضها البعض في رضا وحبور، ينطلق الآذان فترتفع المصاحف، لتقام الصلوات، يحدوها الخشوع، والخضوع للحق المطلق، وتنتهي الصلوات التي تنتهي برفع أكف الدعاء، والتسبيح والتهليل والتحميد، والاستغفار، ثم تتناول الأيدي المصاحف من جديد لتمتد مائدة الله بين المسلم وربه في إقبال على الله، وبغير إذعان أو إجبار أو تكلف بل بكل المحبة والرضا.
والدعاء في رمضان جسرًا قصيرًا بين العبد وربه، وهو في رمضان مضمون الاستجابة لمن فقه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جعل دعوة الصائم من الدعوات المستجابات، وذلك للتواصل العميق بين الإنسان وربه في لحظة تصفو فيها النفس عن شهوات الدنيا ومطامعها للطمع في وجه الله تعالى.
رمضان هو الشهر الوحيد الذي شهد تواصل الأرض بالسماء في مشهد كوني حافل بمراسم الاصطفاء والتكليف، حين تلقى أمين الأرض الرسول صلى الله عليه وسلم النور والرسالة من أمين السماء، ليؤكد أن الاتصال بين الإنسان والله قائم بلا حلول ولا اتحاد، برسالة تمثلت أنقى تمثيل بالتوحيد، وعبادة الله بلا وسائط ولا شركيات.
ليس هناك غيره رمضان، ولن يكون غير رمضان، شهر يطل على الأكوان بمثل هذه الحفاوة والحب في الاستقبال، وبمثل هذا البكاء المرير على مرور أيامه مسرعات، وتبدأ أشرعة الشوق من جديد في أنهار العام تنتظر قدومه على شوق، وتبقى القلوب واجفة بين الدعاء بقبول الطاعات فيه، والدعاء ببلوغه من جديد، إنها رحلة من التواصل التي لا تنتهي في حياة المسلم والتي تصنع فيه حلقات من التكامل لا تنتهي مع رمضان .. ذلك الزائر الدائم في كل عام.