الصفحة 7 من 46

والجماعية حاكمة في البيوت، والمساجد، والعمل، والشوارع، وفي الوطن العربي، والعالم الإسلامي، والعالم بأسره، بضواحيه ومدنه، وجمهورياته، وملكياته، وإقطاعياته، وقاراته، الكل يغزل نسيجًا واحدًا هو ثوب رمضان، والكل يشكل فسيفساء من زخارف لوحة رمضان الكبيرة التي تضم الأجناس، واللهجات، واللغات، والقوميات، والألوان التي يوحدها رمضان سيد الشهور بريشته الحانية الساحرة الأخاذة بالقلوب والألباب، والمهج والأفكار.

لا يماثل شهر رمضان شهر من شهور العام عند النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقد كان شأن النبي صلى الله عليه وسلم فيه غير شأنه في أي من شهور العام، وذلك من استقباله له صلى الله عليه وسلم من شهر شعبان وذلك مما يكثر فيه من الصيام باعتباره من السنن الرواتب التي ترافق الصلوات المفروضة، بما يعني أن صوم شهر شعبان راتبة قبلية كتقدمة لفرض شهر رمضان مثلما جعل صيام الست من شهر شوال راتبة بعدية له، وبما يخصه فيه صلى الله عليه وسلم من الطاعات، والقربات، والنفحات، والدعاء، ومدارسة القرآن، والجود فيه على الناس بعد لقائه جبريل، حتى كان صلى الله عليه وسلم أجود من الريح المرسلة.

ينسخ رمضان كل العادات المتبعة، والسلوكيات الثابتة عند كل مسلم مهما كان وأي ما كان، ليبدأ ذلك المسلم معه الترحال حيث مرافئ الطهر والتعفف والتخفف من الذنوب، والانغماس في أنواره الرحيمة الرحيبة بشفافية ملائكية أو تكاد، وخروج من الذات الأرضية السجينة نحو آفاق الروحانيات والمثاليات والسمو والرقي.

في رمضان تتواصل الأجساد مع الأرواح بأسلوب جديد، وباتفاق خفي بين طيات النفس، وانعتاق من الماديات التي تحط على كاهل العبيد، ليتحرروا من الثقل إلى الخفة، ومن القتامة إلى الألوان الزاهية، حيث معدن الإنسان النقي الأول، إنها نقطة اكتشاف الذات، بالبعد عن الملذات، والأفكار الخبيثة والملغزات.

في رمضان تتواصل القلوب في اصطفاف جديد في صلاة، وفي حياة، حتى بين المسلم وأصحاب الديانات والمذاهب المخالفة، يضم رمضان الجميع في موائد الإفطار بين دعوات من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت