الصفحة 41 من 46

مدار الأمر على الاستيحاش من رمضان ومرور أيامه سراعًا لم يكن التعويل فيها على وداعه فحسب، وعلى العمل الذي عمله المسلم الصائم القائم فحسب، بل كان مدارُ الوحشة بين الرجاء من الله أن يقبل العمل، والخوف كل الخوف أن يرد على العاملين عملهم، حال الوداع نابع من فهم عميق لقول الله عز وجل: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} [المؤمنون: 60] ، فكانوا يدعون الله تعالى ستة أشهر حتى يبلغهم رمضان، فإذا بلغوه اجتهدوا في العبادة فيه، ودعوا الله سبحانه ستة أشهر أخرى أن يتقبَّل منهم رمضان؛ خوفًا من ردِّه.

ولقد كان الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه يوصي من حوله بقوله:"كونوا لقَبول العمل أشدَّ اهتمامًا منكم بالعمَل"، ألم تسمعوا الله عزَّ وجلَّ يقول: {إنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27] .

تقول أمُّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها: سألتُ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن هذه الآية: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} [المؤمنون: 60] ، قالت عائشةُ: أَهُمُ الذين يَشربون الخمر ويسرِقون؟ قال:"لا يا بنتَ الصِّدِّيقِ، ولكنَّهم الذين يصومون ويصلُّون ويتصدَّقون وهم يخافون ألاَّ يُقبَل منهم، أولئك الذين يُسارعون في الخيراتِ وهُم لها سابقون".

وكانوا يحرصون على الاستغفار حرصهم على قبول العمل مع رحيل رمضان، ذلك أن الإستغفار ختام الأعمال الصالحة كلها فيختم به الصلاة والحج وقيام الليل ويختم به المجالس فإن كانت ذكرا كان كالطابع عليها وإن كانت لغوا كان كفارة لها فكذلك ينبغي أن تختم صيام رمضان بالاستغفار، كما يقول الحافظ ابن رجب الحنبلي في لطائف المعارف.

ولما تقدم علمه كان الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز يكتب آمرًا الأمصار أن يختموا شهر رمضان بالاستغفار وصدقة الفطر فإن الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث؛ فالاستغفار يرقع ما تخرق من الصيام باللغو والرفث.

واستيحاش رمضان وانتظاره أمر جبلي إنساني، نرجو بلوغه في العام القادم، ونرجو من الله أن يتقبل أعمالنا في العام الذي نحن فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت