رحيل أيام هذا الشهر الذي تفر أيامه سراعًا، سواء أكان من يؤديها من المغنين، أو المنشدين، أو حتى المسحراتي: لا أوحش الله منك يا شهر رمضان .. يا شهر القرآن .. يا شهر المصابيح .. يا شهر التراويح .. يا شهر المفاتيح لا أوحش الله منك يا شهر الصيام، لا أوحش الله منك يا شهر القيام، لا أوحش الله منك يا شهر العزايم، لا أوحش الله منك يا شهر الولائم.
و"لا أوحش الله منك"، أي لا أذهبك الله، فتوحش أحباءك من جانبك بالفراق، كما قال الخوارزمي في معناها، ومبناها عند كل مسلم وإن لم يملك بلاغة الشعراء الذين ملأت أبياتهم الغارقة النائحة على حرقة فراق الشهر الحبيب عشرات الدواوين، أو من الأدباء الذين يملكون ناصية الكلم المنثور في بث لواعج الأسى ما كتبوه في مقالاتهم وحفظت الدنيا مقولاتهم، وهذا ما يعني أن التواحيش وإن كانت بدعة من ارتباطها بعبادة لو ظن صاحبها ذلك مرفوض أو بدعة تدور بين السيئة والحسنة كما يذهب في ذلك من ينتصر لها أو يهاجمها، إلا أن التواحيش والشوق إلى لقاء رمضان، وحر البكاء الثخينات من المآقي، كلها تأتي من انفعال إنساني لا يستطيع أن يمنعه أحد بفتوى هنا وهناك، وإذا قيل أنها ـ أي التواحيش ـ معروفة منذ القرن السادس الهجري، إلا أن هذا لا يمنع أن وداع رمضان كان له مذاق آخر عند من سبق من الصحابة رضوان الله عليهم.
رُوي عن علي رضي الله عنه أنَّه كان يُنادي في آخِر ليلة من شهر رمضان:"يا ليتَ شِعري! مَن هذا المقبول فنهنيَه، ومَن هذا المحروم فنعزيَه".
وكان عبدالله بن مسعود رضي الله عنه يقول عندَ رحيل الشهر:"مَن هذا المقبولُ منَّا فنهنيَه، ومَن هذا المحروم منا فنعزيَه، أيُّها المقبول هنيئًا لك، أيها المردود جبَر الله مصيبتَك".
كانوا يعلمون أن الرحيلَ سنة من سنن الله الكونية، ولهذا كانوا يجتهدون في إتْمام العمل وإكماله وإتْقانه، ثم يهتمُّون بعدَ ذلك بقَبوله، ويخافون مِن ردِّه، وهؤلاء الذين قال الله عنهم: {يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} [المؤمنون: 60] "، كما يقول الحافظ ابن رجب الحنبلي."