خُرُوجَهُمَا لا يَضُرُّهُ وَلا يُمْكِنُهُ الاحْتِرَازُ مِنْهُ أَيْضًا. وَلَوْ اسْتَدْعَى خُرُوجَهُمَا فَإِنَّ خُرُوجَهُمَا لا يَضُرُّهُ بَلْ يَنْفَعُهُ. وَكَذَلِكَ إذَا ذَرَعَهُ الْقَيْءُ (أي غلبه) لا يُمْكِنُهُ الاحْتِرَازُ مِنْهُ وَكَذَلِكَ الاحْتِلامُ فِي الْمَنَامِ لا يُمْكِنُهُ الاحْتِرَازُ مِنْهُ، وَأَمَّا إذَا استقاء فَالْقَيْءُ يُخْرِجُ مَا يَتَغَذَّى بِهِ مِنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ. . وَكَذَلِكَ الاسْتِمْنَاءُ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الشَّهْوَةِ. . وَالدَّمُ الَّذِي يَخْرُجُ بِالْحَيْضِ فِيهِ خُرُوجُ الدَّمِ، وَالْحَائِضُ يُمْكِنُهَا أَنْ تَصُومَ فِي غَيْرِ أَوْقَاتِ الدَّمِ فِي حَالٍ لا يَخْرُجُ فِيهَا دَمُهَا فَكَانَ صَوْمُهَا فِي تِلْكَ الْحَالِ صَوْمًا مُعْتَدِلا لا يَخْرُجُ فِيهِ الدَّمُ الَّذِي يُقَوِّي الْبَدَنَ الَّذِي هُوَ مَادَّتُهُ وَصَوْمُهَا فِي الْحَيْضِ يُوجِبُ أَنْ يَخْرُجَ فِيهِ دَمُهَا الَّذِي هُوَ مَادَّتُهَا وَيُوجِبُ نُقْصَانَ بَدَنِهَا وَضِعْفَهَا وَخُرُوجَ صَوْمِهَا عَنْ الاعْتِدَالِ فَأُمِرَتْ أَنْ تَصُومَ فِي غَيْرِ أَوْقَاتِ الْحَيْضِ).
إن منع المرأة من الصيام في حالتي الحيض والنفاس مرده ضعف بنيان المرأة الذي يلزمها بالحصول على قسط وافر من الراحة والطعام والشراب، فلم يناسبها إيجاب الصيام عليها، بل إن الله تعالى رحمة بها وضع عنها الصلاة المفروضة، ويجب عليها أن تقضي بعدد الأيام التي أفطرتها من رمضان، ووقت القضاء موسع لها من رمضان الذي أفطرت فيه إلى رمضان الآخر، ولا يجوز لها تأخير القضاء إلى ما بعد رمضان الآخر بغير عذر.
وأرى مع من يرى من أن التماس بعض العلماء للحكمة العلنية أو الخفيىة لمنع الحائض من الصوم بالتعليل بما يحصل لها من الضعف، فإن هذا لا يوجب لها أنها إذا كانت لا تضعف بسبب الصوم وتطيقه وهي حائض أو نفساء أن تصوم، ذلك أن ما يذكرونه من حكمة للحكم، وليس علة يدور معها الحكم وجودًا وعدمًا، بل هي ستظل ظنية لا يمكن لها بأي حال مهما بلغت وجاهتها أن تقضي على النصوص الثابتة في الصحيحين، وإنما كل ما في الأمر أنه يستأنس بها في معرفة أسرار الشريعة وغاياتها المحمودة.
والواجب على المؤمن هو التسليم المطلق لحكم الله تعالى والانقياد له حتى وإن يغابت عنه الحكمة منه؛ فيكفيه أنه أمرٌ له صادر من الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا} [الأحزاب:36] . كما قال عز وجل في محكم تنزيله: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور:51] .