دور رمضان الحقيقي هو في دفع المسلم بعد تخرجه منه لكي يمضي في حياته بعدها على نفس الوتيرة الخاصة بالمنهج الإسلامي كدين، فيه العقيدة، والأخلاق، والسيرة، والفقه، والعلم والعمل، والدين والدنيا، والعين على الآخرة من حيث التوازن الكلي الذي يشكل تكوينه النفسي والعقدي، وأنه كلما فترت قوته وهمته وبعدت بينه المسافات بعيدًا عن أجواء رمضان، كلما اقترب من رمضان القادم يعيد صياغته من جديد، لتجديد همته، وشحن طاقته، غير أن هناك ما يدعم قوته الإيمانية: الصلوات الخمس المكتوبات، والجمعة، والعمرة، ثم رمضان، فقد روى مُسلم، عن أبي هريرة، أن الرسول صلى الله عليه وسلم، قال:"الصَّلَوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مُكَفرات لما بَيْنَهُنَّ إذا اجْتُنِبَتِ الكبائر".
وهل ينتهي صيام الجوارح عن الرفث والفسوق مع انتهاء مدرسة رمضان؟!
هذا ما يرفضه ابن الجوزي حين يؤكد: (ما من جارحة في بدن الإنسان إلا ويلزمها الصوم في رمضان وفي غير رمضان، فصوم اللسان: ترك الكلام إلا في ذكر الله تعالي، وصوم السمع: ترك الإصغاء إلى الباطل، وما لا يحل سماعه، وصيام العينين: ترك النظر والغض عن محارم الله [ابن الجوزي، بستان الواعظين] .
ذلك أن الصوم يلزم أن تصوم جميع جوارح الإنسان معه، وإذا صام الإنسان فيلزمه أن لا يجعل يومه صومه كيوم فطره سواء بسواء.
ومن هنا أقول بعد كل ما تقدم: أن مدرسة رمضان لا يمكن أن تغلق أبوابها أبدًا، وأن المسلم الحق هو الذي يستفيد من رمضان كداعم أساسي له في أخلاقه، وعباداته، وطاعاته، حيث أن الأصل أنه استمدها من دينه الحق الجامع لكل الفضائل، وأن يحافظ على مكاسبه الإيمانية حتى يلقى وجه الله تعالى.