آخر غير وجهها الكالح، ويراها كأنما أجيعت من طعامها اليومي كما جاع هو، وكأنما أفرغت من خسائسها وشهواتها كما فرغ هو، وكأنما أُلزمت معاني التقوى كما ألزمها هو، ذلك أن شهر رمضان هو أيام قلبية في الزمن، لن يضير الإنسانية كلها شيء حين تحذف من تاريخها تاريخ البطن ثلاثين يومًا في كل سنة؛ ليحل في محله تاريخ النفس.
لا يرى الرافعي في غير مدرسة الصوم طريقة عملية تضاهيها في الكون، ولهذا فهو يؤكد بيقين: (إنها والله طريقة عملية لرسوخ فكرة الخير والحق في النفس، وتطهير الاجتماع من خسائس العقل المادي، ورد هذه الطبيعة الحيوانية المحكومة في ظاهرها بالقوانين، والمحررة من القوانين في باطنها، إلى قانون من باطنها نفسه يُطهِّر مشاعرها، ويسمو بإحساسها، ويصْرِفُها إلى معاني إنسانيتها، ويهذب من زياداتها، ويحذف كثيرًا من فضولها، حتى يرجع بها إلى نحو من براءة الطفولة، فيجعلها صافيةً مشرقةً بما يجتذب إليها من معاني الخير والصفاء والإشراق؛ إذ كان من عمل الفكرة الثابتة في النفس أن تدعوَ إليها ما يلائمها ويتصل بطبيعتها من الفِكَرِ الأخرى) . [مصطفى صادق الرافعي، فلسفة الصيام] .
تعلمتُ في مدرسة الصوم كل الفضائل التي يدعونا إليها الدين بهدوء وروية، من استثمار الأوقات في الطاعات، واستثمار الوقت في كل ما يفيد في الحياة بوجه عام، وأن الصدق مقياس ثابت في القول والعمل في رمضان وغيره، وأن البعد عن الغيبة والنميمة مرض اجتماعي يجب أن نتخلص منه في رمضان وفي غيره من الأيام، ولهذا كان أهم ما يميز رمضان هو العودة لنقطة النظام الأولى في الإسلام، وكأننا حين نذهب بالسيارة للتوكيل الخاص بها لصيانتها وتغيير بعض أجزاءها لتعود لحالتها التي كانت عليها وقت امتلاكها، مع الفارق في التشبيه، مثلما يدخل المسلم في مدرسة رمضان من أجل رفع معدلاته في كل الوجوه الدينية والتي تترك أثرها، وتعكس صداها على كل ما يتصل بأداء المسلم في دنياه: نفسه، بيته، عائلته الصغرى وعائلتهالكبرى، عمله، أصدقائه، جيرانه، بيئته التي يعيش فيها، حيث تتآلف كل أجزاء منظومته الحياتية، التي تكون قد أصابها، الوهن، والكسل، والتراخي، والإهمال، وبعض الصفات السلبية من التعاملات في سوق الدنيا، ووقوعه في براثن بعض حبائلها دون أن يدري أو يدري.
ومن هنا أختلف مع من يقول أن مدرسة رمضان تفتح أبوابها لمدة ثلاثين يومًا ثم تمضي لحالها، ويعود المسلم على ما كان عليه من قبل أن"يترمضن"، أي يتعلم من أخلاقياته ومنهجه، أن