يجعله يتوانى أو يتكاسل عن بقية الليالي، حتى إذا علمها يقينًا قام ليلتها فحسب، وتحريها في العشر الأواخر تقطع الحديث عن التساؤلات الكثيرة أنها إذا كانت في قطر ليلة فردية وفي القطر الآخر ليلة زوجية، ذلك أن العبد إذا لم يتيقن ليلة القدر، فإنه يجتهد في الطاعة في جميع ليالي رمضان، على رجاء أنه ربما كانت هذه الليلة هي ليلة القدر، فيباهي الله تعالى بهم ملائكته.
يقول الفخر الرازي في تفسيرًا معللًا سر إخفاء ليلة القدر: (إن الله أخفى هذه الليلة لوجوه:
أحدها: أنه أخفاها كما أخفى سائر الأشياء فإنه أخفى رضاه في الطاعات حتى يرغبوا في الكل، وأخفى غضبه في المعاصي ليحترزوا عن الكل، وأخفى الإجابة في الدعاء ليبالغوا في كل الدعوات، وأخفى قبول التوبة ليواظب المكلف على جميع أقسام التوبة.
ثانيها: أنه أخفاها ليجتهد المكلف في طلبها فينال أجر الاجتهاد.
ثالثها: كأن الله يقول: لو عينت ليلة القدر وأنا عالم بتجاسركم على المعصية فربما دعتك الشهوة في تلك الليلة إلى المعصية فوقعت في الذنب فكانت معصيتك مع العلم أشد من معصيتك لا مع علمك.
ولقد ثبت في السنة المطهرة ما يدل على أنها ليلة إحدى وعشرين، وأنها ليلة ثلاث وعشرين، وخمس وعشرين، وسبع وعشرين، وتسع وعشرين، وآخر ليلة من ليالي رمضان المبارك.
كما أنه قد ثبت في الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم:"تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ".
وفي هذا ما يدل على أن هذه الليلة المباركة تتنقل في العشر الأخيرة من رمضان، ولهذا وجب على المسلم أن يتحريها ويجتهد فيها بالعبادة من صلاة وقيام.
ولقد أورد البخاري في صحيحه، قال عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ رضي الله عنه: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ:"إِنِّي خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَإِنَّهُ تَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ وَالْخَمْسِ".