الصفحة 18 من 22

يخالفه تأوله، أو عدّه لغة، أو رماه بالشذوذ أو القلة أو الندرة أو الخطأ لأنهم أعني البصريين لا يلتفتون إلى كل مسموع ولا يجيزون إلا ما أخذوه من القبائل الستّ تاركين ما عداها.

أمّا الكوفيون على ما يراه خصومهم فإنهم لو سمعوا بيتًا واحدًا فيه جواز شيء مخالف للأصول جعلوه أصلًا وبّوبوا عليه، وأنهم إذا سمعوا لفظًا في شعر أو نادر كلام جعلوه بابًا، ومرد ذلك والله أعلم لما ذكره السيوطي عن الكسائي واضع الأسس الأولى للمذهب الكوفي الذي كان يسمع الشاذ الذي لا يجوز إلا في الضرورة فيجعله أصلًا ويقيس عليه، فأفسد بذلك النحو. (السيوطي في بغية الوعاة: 2/ 164)

وقد اتجه الباحثون المحدثون إلى اعتبار المذهب البصري مذهب قياس، وعدّوا المذهب الكوفي مذهب سماع، وبلغ التشدد بسعيد الأفغاني أن يقول: إنّ المذهب الكوفي لا مذهب سماع صحيح، ولا مذهب قياس منظم. (سعيد الأفغاني: من تاريخ النحو: 74)

يميل كثير من الدارسين المحدثين إلى أن المذهب الكوفي أكثر تشعبًا وأوسع رواية، والمذهب البصري أوسع قياسًا وأضيق رواية، على أن اتساع القياس البصري المبني على العلل العقلية قد يمنع السائغ، ويضيق عن المسموع. وهذا ما دعا المتأخرين من النحاة ألا يجروا على منهاجهم أو يأخذوا أخذهم. فقد حكي عن أبي عمرو بن العلاء أنه رد بعض القراءات القرآنية لخروجها عن قراءة الجمهور، وكذلك فعل المازني أبو عثمان والمبرد أبو العباس والزجاج أبو اسحاق. وقد نزع المتأخرون إلى مخالفتهم فارتضوا القراءات جميعًا واقتاسوا بها، واتخذوا منها موضعًا لاستقرائهم واستنباط أصولهم، شاعت لغتها أم لم تشع ولا ريب أن في صحة القياس على ما ترد به الآيات الكريمة ثراء لأساليب القول في اللغة فوق ثرائها، وإغناء لمذاهب الكلام فوق اتساعها وتشعبها واستيعابها. وآي القرآن بأي قراءة قرئت محصنة من نظر الناقد والمعترض، مرتفعة عن مقام المتعقب والمستدرك. أما اعتذارهم بأن العرب لم تقصد إلى القياس على الشاذ منها بحسب مذهبهم النحوي، فليس بشيء. وما دامت القراءات كلها على اختلافها كلام الله فمن قرأ حرفًا من هذه الحروف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت