أولًا: ماهية العمل الخيري والإنساني ومشتقاته وصنوفه في القرآن:
لقد توسع القرآن الكريم في تعريف العمل الخيري، فذكرت الآيات الكريمات كلمة (خير) و (الخير) في 190 موضع من مواضع القرآن الكريم وجاءت كلمة (خير) و (الخير) مقترنة بمشتقات تؤكد حرص المولى سبحانه وتعالى على وجوب قيام المسلم بكل عمل فيه خير وصلاح للإنسان، ناهيك عن غيرها من الكلمات التي لا تعتبر من صفات ومن صنوف وأنواع العمل الخيري كالتصدق والإنفاق والبذل والعمل الصالح ومن ذلك حسب الترتيب القرآني ما يلي:
1 -التطوع الخيري:
لعل أول ما بدأت الآيات القرآنية الإشارة إليه على أنه صنف من صنوف العمل الخيري ومن مشتقاته هو العطاء المادي المباشر ممثلًا في التطوع الخيري، فمن المعروف أن العمل التطوعي لا يتحقق إلا ببذل الجهد والتدخل المادي الملموس من الإنسان، وهو في الأصل عمل غير واجب على الإنسان ولكنه يبذله في سبيل الله تقربًا لجلاله فقال تعالى {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} : (البقرة:158) ، وقال تعالى {فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ} (سورة البقرة:184) وقال تعالى"وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ" (البقرة:197) ، وكأنها إشارات ربانية إلى أن العطاء الخيري بالمال لا يغني عن العطاء بالجهد وبالعمل، ويؤكد ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم"على كلِّ مسلمٍ في كلِّ يومٍ صدقةٌ فقال رجلٌ مَن يطيقُ هذا يا رسولَ اللهِ قال إماطتُك الأذَى عن الطريقِ صدقةٌ وإرشادُك الرجلَ الطريقَ صدقةٌ ونهيُك عن المنكرِ صدقةٌ وعيادتُك المريضَ صدقةٌ واتباعُك الجنازةَ صدقةٌ وردُّ المسلمِ على المسلمِ السلامَ صدقةٌ" [1] ، قال ابن تيمية رحمه الله"ففي هذا الحديث أنه أوجب الصدقة على كل مسلم وجعلها خمس مراتب على البدل: الأولى الصدقة بماله فإن لم يجد اكتسب المال فنفع وتصدق، وفيه دليل وجوب الكسب ; فإن لم يستطع فيعين المحتاج ببدنه فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يفعل فيكف عن الشر. فالأوليان تقع بمال إما بموجود أو بمكسوب والأخريان تقع ببدن إما بيد وإما بلسان [2] ".
ولذلك فإن بعض الحضارات المعاصرة ممن حققت وعيًا كبيرًا في استنباط مقاصد القرآن وآياته التي تحاكي الفطرة السليمة، والتي تحض على التطوع الخيري وتدعو له؛ قد سعت لتطبيق رؤية الإسلام بحذافيرها في هذا الميدان (بقصد
(1) - رواه الهيثمي وقال رجاله رجال الصحيح: مجمع الزوائد (3/ 107)
(2) -مجموع فتاوى بن تيمية:18/ 372:373