وفي هذا المبحث سنتناول ثلاثة قضايا مهمة من قضايا العمل الخيري التي عالجها القرآن المعظم وهي:
أولًا: العمل الخيري كمهنة أو حرفة مستقلة:
ثانيًا: تسويق القضايا الخيرية والإنسانية في ظل إعتبار العمل الخيري مهنة مستقلة
ثالثا: معايير حوكمة وقياس آثار العمل الخيري في القرآن (بعض نماذجها) .
وتفصيل ذلك على النحو الآتي:
أولًا: العمل الخيري ك (مهنة) مستقلة:
لقد كانت استجابة المسلمين لأداء عباداتهم المالية التي شرعها الله سبحانه وتعالى في الكتاب المعظم ورسوله الأكرم في سنته المطهرة منذ اللحظات الأولى لتشريعها استجابة إيجابية هائلة لدرجة أن الأمر قد فرض ضرورة وجود فئة عمالية جديدة في سوق العمل الإسلامية وهم فئة (العاملون عليها) أي على الزكاة والصدقات والأوقاف والنذور وغيرها مما يقدم في سبيل الله، و هم الذين يتولون جمع الزكوات والصدقات وإحصاءها وتوزيعها على مستحقيها، بتكليف إلهي ثم بتكليف من الحكام وأولي الأمر، ويدخل ضمن هذه الفئة العمالية الكتبة والمحاسبون ونحوهم، ولما كان الأمر بالنسبة لهذه الفئة العمالية ليس بالسهل الهين إذ كان العمل عظيمًا والمقبلين على تنفيذ الدعوة الربانية بتقديم الزكاوات والصدقات كثر بما كان يأخذ من جهدهم وأوقاتهم بحيث يؤدي الأمر لهلاك هؤلاء العاملين وضياع من يعولون إن إنقطعوا تمامًا لذلك إحتسابًا لله وما يتبعه من عدم الحصول على مقابل مادي، ولذلك قدر الله العليم القدير بعلمه ورحمته وبحكمته البالغة جهد هذه الفئة التي تعمل في هذا السبيل، فجعل الله لهم حظًا مما يقومون بجمعه من زكاوات وصدقات وغيرها مما يقدم في أوجه البر وصنوف الخير الذي يعملون فيه، فقال تعالى {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (سورة التوبة:60) ، واختلف الفقهاء في نصيب العاملين عليها فذهب البعض أن لهم ثمن ما يقومون بجمعه فلا يزيدون، وقال آخرون أن لهم أكثر من ذلك، وقالت فئة أن لهم أقل من الثمن، وقال فريق أن حدهم من الزكاة هو ما تنقضي به حاجتهم لا أكثر ولا أقل [1] ، ومن المعروف عقلًا أن المقومات الرئيسية للعمل هو وجود أدواته الرئيسية ومن عظمة القرآن أنه خلق هذا القطاع وحدد المقومات الرئيسية لهذه الصناعة بإعتبارها أعظم صناعة لصالح الفئات الإنسانية والإجتماعية الضعيفة والمحرومة والمحتاجة .. إلخ بعد الإسلام، ومن هذه المقومات التي ذكرها القرآن هو الآتي:
(1) -المغني:2/ 282