ينظر القرآن إلى الإنسان نظرة رحيمة تساير فطرته وطبيعته، وتقر خصائصه التي يتميز بها عن الكائنات الكونية الأخرى، فيرى أن من أقوى غرائزه غريزة الجمع والتحصيل وحب المال فقال تعالى {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا} (الفجر: 20) ، وقال - جل شأنه: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} (العاديات: 8) .
وغريزة الجمع والتملك والاقتناء هي تلك الغريزة التي تدفع الإنسان إلى المال دفعًا قويًا وتجعله في سبيلها يسعى لتحصيله، والعمل على تنميته وادخاره وأحيانًا تكنيزه،
وفي إطار العمل الخيري فإن المال يعد هو المصدر الحقيقي للإنفاق التطوعي لأنه بالطبع هو أصل كل الموارد بجميع أنواعها، وقد اقتضت حكمة الله تعالى أن تنوعت أرزاق العباد واختلفت، ليتفاوت الناس من حيث الغنى والفقر، قال تعالى: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا} (الزخرف:32) ، وهبطت"أيضًا آيات القرآن لتحث القادرين على بذل ذلك المال والتصدق به من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال، مع تذكيره بأن المال في حقيقة أمره ليس ملكًا خالصًا لمالكه البسيط في شكله الإنساني، وإنما هو ملك لله الذي هو مالك الملك والملكوت، فقال تعالى: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} (النور: 33) ."
فيد المالك البسيط في شكله الإنساني إنما هي يد استخلاف ووديعة استودعها الله إياه فنهاه، عن إهداره وتبدذيره في أكثر من موطن من مواطن القرآن العظيم المعظم، كما أمره بأن يستجيب لربه في الحال إذا ما دعاه للبذل والإنفاق، قال - تعالى: {وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} (الحديد: 7) ، وعلى الإنسان أن يضعه مواضعه، وينفقه في الوجوه التي شرعها الله، فيأخذ منه ضروراته وحاجاته، ويوزع الفضل منه على من هم أحق به من الضعفاء والعجزة والمساكين، فالمال فتنة، وإنفاق المال في وجوهه المشروعة نجاح في الاختبار، وتجاوز لهذه الفتنة قال تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} (الأنفال: 28) ، أي اختبار وامتحان، ولذلك جاءت الآيات القرآنية تدعو الإنسان عمومًا والمسلم خصوصًا إلى ضرورة أداء حقوق المال لمالكه الأصلي سبحانه وتعالى، وللمجتمع في صورة الصدقات المفروضة وعلى رأسها الزكاة والنفقات التطوعية والكفارات وغيرها تحقيقًا لعدالة التصرف في المال، وإقامة للتكافل الاجتماعي وضمانًا لأكفأ استخدام ممكن للمال.