لَهُ، ولا أنْ يَزِيدَ ما شَاءَ، بَل لِذلِكَ أُصُولٌ يَعمَلُ علَيها، فمِنها ما يَحسُنُ أنْ يُستَعمَلَ، ويُقاسُ علَيهِ، ومِنها ما جاءَ كالشَّاذِّ، ولكِنَّ الشَّاعِرَ إذا فَعَلَ ذلِكَ فلا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ قد ضَارَعَ شَيئًا بِشَيءٍ، ولكِنَّ التَّشبِيهَ يَختَلِفُ، فَمِنهُ قَريبٌ، ومِنهُ بَعيدٌ [1] .
وضَرَبَ لِذلِكَ شَواهِدَ وأَمثلةً من واقِعِ اللغةِ، فَمِن صَرفِ ما لا يَنصَرِفُ، فيجُوزُ للشَّاعِرِ أنْ يَصرِفَ جَمِيعَ ما لا يَنصَرِفُ، فقالَ:"وذلِكَ أنَّ أَصلَ الأَسماءِ كُلِّها الصَّرفُ، وذلِكَ قَولُهُم فِي الشِّعرِ: مَرَرْتُ بِأحمَرٍ، ورَأَيْتُ أَحمرًا، ومَرَرْتُ بِمَساجِدٍ يا فَتًى، كما قالَ النَّابِغةُ: (من الكامل) "
فَلَتَأتِيَنْكَ قَصَائِدٌ ولَيَركَبَنْ ... جَيشٌ إلَيكَ قَوادِمَ الأَكوارِ [2]
وأتَى بِأبوابٍ مُرَتَّبةٍ ذَكَرَ فِيها الضَّرُورةَ، فَمِن صَرفِ ما لا يَنصَرِفُ قَولُ ذِي الأُصبَعِ العُدوانيِّ: (من الهزج)
وَمِمَنْ وَلَدُوا عامِرُ ذُو الطـ ـطولِ وذُو العَرضِ [3]
وإنَّما عامرُ اسمُ قَبيلةٍ، فَيَحتَجُّونَ بِقولِهِ:"وذُو الطُّولِ"، ولم يَقُلْ"ذاتِ"، فإنَّما رَدَّهُ للضَّرُورةِ إلَى"الحيِّ"، كما قَالَ: (من مجزوء البسيط)
قَامَتْ تُبَكِّيهِ علَى قَبرِهِ ... مَنْ لِيَ مِنْ بَعدِكَ يا عامِرُ
تَرَكْتَنِي فِي الدَّارِ ذا غُربَةٍ ... قَد ذلَّ مَنْ لَيسَ لَهُ ناصِرُ [4]
فإنَّما أرادَ لِلضَّرُورةِ إنسانًا ذا غربة، فهذا نظيرُ ذلِكَ [5] .
(1) الأصول في النحو: أبو بكر محمد بن سهل بن السراج النحوي البغدادي (ت 316 هـ) ، تحقيق: د. عبدالحسين الفتلي، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1405 هـ-1985 م، 3: 435.
(2) ديوان النابغة الذبياني، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، ط 2، دار المعارف، القاهرة، 1985 م، ص 89. وموضع الشاهد"قصائد"ردًا على أصل الاسمِ من الصرف. ينظر الكتاب 3: 511. وعند المبرد صرف ما لا ينصرف ضرورة. ينظر المقتضب مج 1: 177.
(3) والشاهد فيه"عامر"لم يصرف هذا الاسم، لأنه اسم للقبيلة، وقال الشاعر"ذو"ولم يقل"ذات"لأنَّه حمله على اللفظ، وحقه حمله على المعنى.
(4) والشاهد فيه"ذا غربة"، والقياسُ أنْ يَقُولَ:"ذات غربة"لكنه ردَّ الكلام إلى معنى الإنسان، لأنها إنسان، فكأنَّها قالت: تركتني إنسانًا ذا غربة، وإنما أنشد البيت الأول ليُعلَمَ أنَّ قائله امرأة.
(5) الأصول 3: 438 - 439.