وتَحدَّثَ أبُو الفَتحِ ابنُ جنِّيّ (ت 392 هـ) في كِتابِهِ (الخصائص) عنِ الضَّرُورةِ الشِّعريَّةِ فَعَقَدَ لَهَا بَابًا بِعُنوانِ: (هل يَجُوزُ لَنا فِي الشِّعرِ مِن الضَّرُورةِ ما جازَ لِلعَرَبِ أو لا) ؟ ونَقَلَ الكَلامَ عنْ شَيخِهِ أبِي علِيٍّ الفارِسِيِّ (ت 377 هـ) ، فهو يَقِيسُ المنثُورَ والشِّعرَ علَى مَنثُورِ القُدماءِ وشِعرِهِم، فَمَا أَجازتْهُ الضَّرُورةُ لَهُم أَجَازَتْهُ لَنا، وما مَنَعَتْهُ علَيهِم مَنَعَتْهُ علَينا، فَهُوَ يَقتَفِي أَثرَ الأَقدَمِينَ دُونَ زِيادةٍ أو نُقصَانٍ، فَقَالَ:"سَألْتُ أبا علِيٍّ-رَحِمَهُ اللهُ- عن هذا فَقَالَ: كما جَازَ أنْ نَقِيسَ مَنثُورَنا علَى مَنثُورِهِم فَكَذلِكَ يَجُوزُ أنْ نَقِيسَ شِعرَنا علَى شِعرِهِم. فَما أجازَتْهُ الضَّرُورَةُ لَهُم أَجازَتْهُ لَنا، وما حَظَرَتْهُ علَيهِم حَظَرَتْهُ علَينا. وإذا كانَ كذلِكَ فَمَا كَانَ مِنْ أَحسَنِ ضَرُوراتِهِ فلْيَكُنْ مِن أَحسَنِ ضَرُوراتِنا، وما كَانَ مِنْ أَقبَحِها عِندَهُم فَلْيَكُنْ مِنْ أَقبَحِها عِندَنا، وما بَينَ ذلِك بَينَ ذلِكَ" [1] .
ووَقَفَ عِندَ بَعضِ القَضَايا النَّحويَّة الهامَّةِ، نحو: التَّقدِيمِ والتَّأخِيرِ والفَصلِ والحَذفِ والتَّقدِيرِ، فَقَالَ:"ومِثلُهُ فِي الفَصلِ بَينَ المتَضايفَيْنِ قَولُ الآخَرِ فِيما أَنشَدَهُ ابنُ الأعرابيِّ: (من المنسرح) "
فَأَصبَحَتْ بَعدَ خَطِّ بَهجَتِها ... كأنَّ قَفرًا رُسُومَها قَلَما
أرادَ: فَأَصبَحَتْ بَعدَ بَهجَتِها قَفرًا، كأنَّ قَلَمًا خَطَّ رُسُومَها، فَأَوقَعَ مِن الفَصلِ والتَّقدِيمِ والتَّأخِيرِ ما تَراهُ.
وأَنشَدَنا أَيضًا: (من الوافر)
فَقَدْ والشَّكُّ بَيَّنَ لِي عَناءٌ ... بِوَشكِ فِراقِهِم صُرَدٌ يَصِيحُ [2]
أرادَ: فَقَد بَيَّنَ لِي صُرَدٌ يَصِيحُ بِوشْكِ فِراقِهِم، والشَّكُّ عَناءٌ. فقد تَرَى إلَى ما فِيهِ مِن الفُصُولِ الَّتِي لا وَجهَ لَها، ولا لِشَيءٍ مِنهَا.
وأمَّا قولُ الآخَرِ: (من الطويل)
مُعاوِيُّ لَمْ تَرعَ الأَمانَةَ فَارعَهَا وَكُنْ حافِظًا للهِ والدِّينِ شَاكِرُ
فَحسَنٌ جَميلٌ، وذلِكَ أنَّ (شَاكرُ) هذِهِ قَبيلةٌ، وتَقدِيرُهُ: مُعاويُّ لم تَرعَ الأَمانَةَ شاكِرُ، فارعَها أَنتَ وكُنْ حافِظًا للهِ والدِّينِ، فأَكثَرُ ما فِي هذا، الاعتراضُ بَينَ الفِعلِ والفاعِلِ، والاعتِراضُ للتَّسدِيدِ". [3] "
(1) الخصائص: أبو الفتح عثمان بن جني (ت 392 هـ) ، تحقيق: محمد علي النجار، عالم الكتب بيروت، ط 2، 1431 هـ-2010 م، ص 259.
(2) خزانة الأدب 1: 965.
(3) الخصائص ص 264.