الجاهلي والعصر النبوي يتميَّزان بترجمة الكتب الدينية لنشر الدين وتعاليمه، فيما يتميَّز عصر الخلفاء والعصر الأموي بمحاولات فردية، فالحكومة لم تقدِّم أيَّ عناية إلى هذا الأمر إلا في ترجمة الدواوين فإنها مستثناة عنها.
أما العصر العباسي، فهو في الحقيقة عصر نشأَت فيه حركة عظيمة للترجمة، حركة رغب فيها خلفاء الدولة، كما أن العامة أيضًا لم تتأخر عن مواكبة الدولة، فهذا العصرُ يتميَّز بالمحاولة الاجتماعية.
وكان العصر الأموي أيضًا مقصورًا على ترجمة العلوم العملية؛ كالصنعة والطب والنجوم، أما العصر العباسي فقد تعدَّى إلى العلوم العقلية؛ كالمنطق والفلسفة والهندسة حتى الخرافات" [1] ."
ويقول في رسالته للدكتوراه التي طبعت من الرياض (المملكة العربية السعودية) :
"امتثالًا لأمر الرسول: (( فليبلغ الشاهد الغائب ) )، ونظرًا لبشراه: (( نضَّر الله عبدًا سمع مقالتي فوعاها ثم أدَّاها إلى من لم يسمعها ) )؛ قام الصحابةُ الكرام ومن تبعهم بإبلاغ رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى من لم يحظ بها من بقية العالم، كما أوصوا خلفهم بأن يواصلوا هذه العملية ويستمروا في تأدية الهدي الرباني إلى كافَّة البشر في كل أنحاء العالم، وبفضل جهود هؤلاء وصلَت الرسالةُ الإلهية إلى أيدي كافة الناس."
أول من تلقى هذه الرسالة من النبي صلى الله عليه وسلم كانوا عربًا؛ فكانت الرسالة بلُغتهم، ثم بلَّغها العرب إلى الأمم الأخرى فكانوا لا يعرفون هذه اللغة خير معرفة، فاحتاجوا إلى ترجمتها إلى لغاتهم، وقد برزت إلى حيِّز الوجود ترجمات لا تحصى لهذه الرسالة الربانية؛ القرآن الكريم، ولا تزال تصدر ترجمات حتى هذه الأيام لأننا نسمع كل يوم عن صدور كتاب جديد لترجمة القرآن الكريم، سواء كانت الترجمة بأقلام المسلمين أو غير المسلمين من الذين عرفوا قيمةَ هذا الكتاب وأثره في حياة المسلمين؛ فهو كلامُ الله الخالد فوق هذه الأرض، وللحقيقة فهو أوَّل كتاب تهافت على ترجمته هذا القدر من العلماء والكُتَّاب" [2] ."
(1) حركة الترجمة في العصر العباسي، ص 28 - 29.
(2) ترجمات معاني القرآن الإنجليزية دراسة نقدية وتحليلية، ص 61.