العرب: هاتوا مثل هذا القرآن إن كنتم صادقين في اعتراضكم، فلمَّا عجزوا عن ذلك تحدَّاهم ثانية بإتيان عشر سور مثله، ولكنهم حين لم يأتوا بها وعجزوا عنه تحدَّاهم ثالثة أن يأتوا بسورة واحدة مثله فقط ولم يتحدهم دون ذلك.
وهنا ينشأ سؤال: لِمَ لَم يتحدَّ القرآن بإتيان آية واحدة فقط؟
للإجابة على هذا السؤال نقول: إذا تدبرنا وأمعنَّا النظر في القرآن لا يسعنا إلا الاعتراف بوجود النظم فيه؛ وذلك أن القرآن لم يتحدَّهم إلا أن يأتوا بسورة منظمة كإحدى سوره، وإلا كان فيهم من يجد فيه القدرة على أن يأتي بجُمَلٍ مبعثرة لا نظام لها.
ولا أبين دليل وأوثق برهان على وجود النظم في القرآن من أن نعمد إلى خطبة بليغة مشتملةٍ على الترغيب والترهيب والحكمة والمثل والاستدلال والحجة، ثم نسلَّ عنها النظام ونقدِّم ونؤخِّر من غير مراعاة مواقعها؛ فإذًا ننظر كيف ذهب عنها أكثر ما فيها من التقريب بين الدعوى ودليلها والتدريجِ من المقدمات إلى الأغراض، والتوضيحِ لما يقتضيه، وكل ما فيها من حسن البيان وكمال البلاغة، وكل ما يشير إليها من المقاصد والفوائد، أو حلِّ شبهة ناشئة، أو إشارة إلى معارف تاريخية أو أخلاقية أو حكمية ربما يكون بعضها أصلًا لمعارف جمَّة وأصول مهمة، فإن خلَّيْنَاها عن نظامها ربما تعود إلى قريب من الهذيان.
فالترتيب هو أصلُ ماهية كل شيء وحقيقة وجوده، ولا يكون الكلام ذا معانٍ وحِكَم وحجج ومقدمات إلا بعد أن يكون منظمًا بنظام بديع، وصدق الإمام الفراهي: إن الكلام إنما هو بنظامه" [1] ."
ويقول في كتابه:"حركة الترجمة في العصر العباسي"الذي أتمَّ تأليفه حينما كان يتعلَّم في ماجستير في اللغة العربية وآدابها:
"ظهرت حركة الترجمة - كما ذكرنا آنفًا - إلى حيِّز الوجود في العصر الجاهلي، فقد تمَّت فيه ترجمة الكتب الدينية إلى العربية، فينبغي لنا أن نقول: إن هذه الحركة كانت حركة خاصة بنشر الدين وتعاليمه، ولم يكن العصر النبوي متميزًا عنه، فالترجمة في ذلك العصر أيضًا كانت ترجمة دينية، إلا أن عصر الخلفاء الراشدين والعصر الأموي يختلفان كليًّا عن هذين العصرين الجاهلي والنبوي، ففي عصر عمر بن الخطاب أخذ عمرو بن العاص معلومات عن فيلسوف يوناني، وفي العصر الأموي تُرجم لمعاوية وخالد وهشام وغيرهم من الخلفاء كتب قيِّمة نظرًا لذوقهم الخاص أو لحاجات فردية، فالعصر"
(1) إعجاز القرآن الكريم، ص 99.