-ومن الحنابلة قال علي بن عباس: إن متروك التسمية لا يحِلُّ عندنا على الصحيح من المذهب؛ أخذًا بعموم قوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 121] [1] .
-وقال الشافعي: يباح متروك التسمية عمدًا أو سهوًا؛ لأن البراء روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( المسلم يذبح على اسم الله، سمَّى أو لم يسمِّ ) )، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل فقيل: أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمِّيَ الله؟ فقال: (( اسمُ الله في قلب كل مسلمٍ ) )، وعن أحمد رواية أخرى مثل هذا [2] .
-وابن قدامة يرد على معارضيه فيقول في أحاديث وفي حديث أبي ثعلبة: (( وما صِدْتَ بقوسك، وذكرتَ اسم الله عليه، فكُلْ ) )، وهذه نصوص صحيحة لا يعرَّج على ما خالفها، وقوله: (( عُفِيَ لأمتي عن الخطأ والنسيان ) )يقتضي نفي الإثم، لا جعل الشرط المعدوم كالموجود، بدليل ما لو نسي شرط الصلاة، والفرق بين الصيد والذبيحة: أن الذبح وقع في محله، فجاز أن يتسامح فيه، بخلاف الصيد، وأما أحاديث أصحاب الشافعي، فلم يذكرها أصحاب السنن المشهورة، انتهى كلامه، ومما يجب أن يتنبه إليه في رد ابن قدامة على الشافعية: أن الدكتور خرابشة ذكر أن ابن قدامة رد على أصحاب الشافعي بأن أحاديثهم لم يذكرها أصحاب السنن المشهورة، إنما كانت في معرض الكلام على أحاديث صيد الكلب المعلَّم إن وجد معه كلب آخر غير معلَّم، أما أحاديث المسلم الذي لم يذكر اسم الله على ذبيحته، فوردت في البخاري، وبناءً عليه فأحاديث عدم التسمية التي قصدها ابن قدامة ليست هي ما أورده الشافعية على إطلاقه، والدكتور خرابشة حملها على الجميع، ويسقط هذا الادعاء بإثبات رواية البخاري، وبالرجوع لسياق كلام ابن قدامة نفسه أيضًا، أما رد ابن قدامة عليهم بأنه عفي عن أمتي الخطأ ... إلخ ليس شرطًا فقط انتفاء للإثم؛ بدليل لو نسي الصائم وأكل، لعُفِي عن خطئه الشامل للإثم وغيره، ويكمل صيامه ولا ينتقض.
-أما ابن حزم فعنده يتساوى ما ذبح لغير وما لم يسم عليه فيقول: ولا يحل أكل ما ذبح أو نحر لغير الله تعالى، ولا ما سمي عليه غير الله تعالى متقربًا بتلك الذكاة إليه، سواء ذكر الله تعالى معه أو لم يذكر، وكذلك ما ذُكِّيَ مِن الصيد لغيره تعالى: فلو قال: باسم
(1) - البعلي الحنبلي، علي بن عباس، القواعد والفوائد الأصولية وما يتعلق بها من الأحكام، ناشر: مطبعة السنة المحمدية - القاهرة، 1375 - 1956، تحقيق: محمد حامد الفقي، ص 244.
(2) - المغني لابن قدامة (ج 9، ص 367) .