عند أبي داود في المراسيل: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( المسلم يذبح على اسم الله، ذكَر أم نسي ) )، ووجدت أحاديث أخرى في هذا الموضوع عن عائشة أم المؤمنين: أن قومًا قالوا: يا رسول الله، إن قومًا يأتونا بلحم لا ندري ذكر اسم الله عليه أم لا؟ قال: (( سمُّوا أنتم وكُلُوا ) )، وكانوا حديث عهد بالكفر، وحكم الشيخ الألباني عليه بأنه صحيح [1] ، وبعد كتابتي لهذا وجدته في البخاري بلفظ مختلف قليلًا، وهو عن عائشة - رضي الله عنها - أن قومًا قالوا: يا رسول الله، إن قومًا يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال رسول الله: (( سمُّوا الله عليه وكُلوه ) ) [2] ، وكان تثبتي من وجود رواية صحيحة قبل الخوض في المسألة؛ لأن الدكتور خرابشة أورد روايتين فيهما مقال بالإرسال والضعف مما قد يسقط المسألة لاحقًا، وإذا سقط الدليل سقط الاستدلال، ولو لم يكن هناك رواية صحيحة في هذا الموضوع لاتجهنا من البداية للآية، ولما بحثنا حكم التعارض؛ لأنه لا قول مع قول الله، والدليل الذي لا يثبت لا حاجة لمناقشته مع قول الله تعالى، أما والحال قد اختلف، فلا بد من البحث في هذا التعارض بين الآية وحديث الآحاد الصحيح، وبيان كيف أخذ كل فريق في تعامله مع هذا التعارض نسخًا وتخصيصًا وغيره.
فالأحاديث كانت منشأ خلاف بين العلماء هل تخصص الآية أم لا؟
-فالحنفية يرون - بناءً على أصلهم وقاعدتهم - بأن القطعي لا يخصصه ظني، وأخذوا بعموم الآية، وقالوا بتحريم أكل الذبيحة المتروكة التسمية عمدًا [3] ، وإن مقتضى عموم القول عند الحنفية يقضي بتحريم أكل الذبيحة نسيانًا وعمدًا على السواء، إلا أن ذلك محصور في العمد عندهم، كما ذكره ابن قدامة فقال: وممن أباح متروك التسمية في النسيان دون العمد أبو حنيفة ومالك؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( عُفِي لأمتي عن الخطأ والنسيان ) ) [4] ، فما كان نسيانًا عندهم وعند مالك معفوٌّ عنه.
(1) - أخرجه ابن ماجه في السنن، محمد بن يزيد القزويني، نشر دار الفكر - بيروت، تحقيق: محمد فؤاد عبدالباقي، مذيلة بأحكام الألباني، (ج 2، ص 1059) حديث رقم (3174) .
(2) - أخرجه البخاري في الصحيح، ص 245، رقم (2057) طبعة مكتبة عباد الرحمن - مصر (2008 م) ، تقديم أحمد محمد شاكر.
(3) - انظر: كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي، (ج 3، ص 571) .
(4) - ابن قدامة، أبو محمد موفق الدين عبدالله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة، المقدسي، (المتوفى: 620 هـ) ، المغني، الناشر: مكتبة القاهرة، الطبعة: بدون طبعة، عدد الأجزاء: 10، تاريخ النشر: 1388 هـ - 1968 م، (ج 9، ص 367) .