بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، كما ينبغي لوجهه الكريم، خلق الخلق في أحسن تقويم، ولم يتركهم حيارى مخذولين، فأرسل الرسل متتابعين، آخرهم خير الخلق أجمعين، محمد بن عبدالله خاتم النبيين والمرسلين، أيده ربه بالآيات والقرآن الكريم، معجزة له إلى يوم الدين.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله وخليله، وأحبهم إليه، وصفوته من خلقه، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر المحجلين، وعلى التابعين، ومن تبعهم وسار على منهجهم واهتدى بهداهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
فيقول الله تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 83] ، فأشار الله تعالى لعباده أنه ينبغي الرجوع للعلماء لبيان مراد الله من شرعه، فهم الذين يستخرجونه بفكرهم وآرائهم وعلومهم، فهم أهل البصيرة، الذين يبتون فيما يستجد من أمور العباد استنباطًا من كتاب الله وسنة رسوله، وكان من سنة الله في خلقه أن تتباين أفهامهم وأنظارهم فيما يتناولونه، مما كان له أثر على خلافهم فيما يتناولونه من مسائل، وكان خلافهم هذا ليس نابعًا عن هوى، وإنما كل منهم اجتهد بما وهبه الله من علم وإدراك وفهم، وبما أعملوه من أدوات وقواعد، فمنهم من أصاب فله أجران، ومنهم من أخطأ فله أجر - عفا الله عنا وعنهم أجمعين - وهذا البحث بيان لكيفية اختلافهم أصوليًّا، ونموذج ذلك في خلافهم في حكم العام المجرد عن القرينة، وأثره على الأحكام، وكان نموذج متروك التسمية تمثيلًا لذلك الأثر في الخلاف في حكم العام أصوليًّا، والبحث في هذه المسائل مهم؛ لإبراز الحكم الشرعي وبيانه، وتزداد أهمية البحث فيها أيضًا؛ لإبراز آراء العلماء وكيفية تناولهم لهذه المسائل، ومعرفة طرقهم في استخراج الحكم الشرعي، من خلال فهم مناهجهم وقواعدهم التي ينطلقون منها في حكمهم.