الصفحة 11 من 19

المطلب الرابع: أثر الخلاف فقهيًّا عند التعارض

كان للخلاف الوارد بين العلماء في دلالة العام"أهي قطعية أم ظنية؟"أثر في استنباطهم للأحكام، بناءً على تقعيدهم للقواعد المتفرعة عن دلالة العام، ومن هذه القواعد التي نتجت عن الخلاف في دلالة العام: تخصيص العام بخبر الواحد والقياس؛ فالقائلون بالقطعية لا يجيزون ذلك ما لم يخص العام أو القطعي؛ لأنهما ظنيان، والظني لا يقضي على القطعي، فإن خص بالقطعي، صار ظني الدلالة على الباقي، فيقبل التخصيص بخبر الواحد والقياس، والقائلون بالظنية يجيزون التخصيص بهما من غير حاجةٍ إلى وساطة التخصيص بالقطعي؛ لاحتمال الخصوص من أول الأمر.

فالحنفية ومن قال بقولهم بقطعية العام، لم يستجيزوا تخصيص العام بالآحاد والقياس؛ لأنها ظنية، والعام قطعي، والظني عندهم لا يخصص القطعي، ولا يقوى على تبعيضه؛ لأن التخصيص يكون بطريق المعارضة، والظني لا يعارض القطعي [1] .

أما الجمهور من العلماء ومن قال بقولهم بظنية العام، فذهبوا إلى أنه يجوز تخصيص عام الكتاب والسنة المتواترة بالأدلة الظنية؛ كأخبار الآحاد والقياس [2] .

أدلة كل مذهب لما ذهب إليه:

* أما الحنفية فكان استدلالهم بما ورد عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في قصة فاطمة بنت قيسٍ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجعل لها سكنى ولا نفقةً، ثم أخذ الأسود كفًّا من حصًى فحصبه به، فقال: ويلك تحدث بمثل هذا؟! قال عمر: لا نترك كتاب الله وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم لقول امرأةٍ لا ندري لعلها حفظت أو نسيت، لها السكنى والنفقة؛ قال الله عز وجل: {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} [الطلاق: 1]

(1) - انظر: البحر المحيط، للزركشي، (ج 2، ص 504) وما بعدها.

(2) - انظر: إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، محمد بن علي بن محمد بن عبدالله الشوكاني اليمني (المتوفى: 1250 هـ (، الشيخ أحمد عزو عناية، دمشق - كفر بطنا، قدم له: الشيخ خليل الميس والدكتور ولي الدين صالح فرفور، الناشر: دار الكتاب العربي، الطبعة: الطبعة الأولى 1419 هـ - 1999 م، عدد الأجزاء: 2(ج 1، ص 387) وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت