فإن قيل: فما تقولونَ فيما رواه التِّرمذي [1] من حديث ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن أبي سَلَمَةَ، عن عائشة قالت:"أخذَ النبي - صلى الله عليه وسلم - بيدي فنظر إلى القمر فقال:"يا عَائِشَةُ اسْتَعِيذِي باللهِ منْ شَرِّ هَذا، فَإِنَّ هَذا هُوَ الغَاسِقُ إِذَا وَقَبَ" [2] . قال التِّرْمِذِيُّ:"هَذا حديث حسن صحيح"، وهذا أولى من كلِّ تفسير فيتعيَّنُ المصرُ إليه؟ ."
قيل: هذا التفسيرُ حقٌّ، ولا يناقضُ التفسيرَ الأوَّلَ بل يوافقُهُ ويشهدُ بصحَّتِهِ، فإنَّ الله تعالى قال: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً} [الإسراء: 12] فالقمر هو آيةُ الليلِ وسلطانُه، فهو أيضًا: غاسقٌ إذا وَقَبَ، كما أن اللَّيلَ غاسِقٌ إذا وقب، والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أخبر عن القمر بأنه غاسق إذا وقب، وهذا خبر صدق، وهو أصدقُ الخبر، ولم ينفِ عن اللَّيل اسمَ الغاسق إذا وَقَبَ، وتخصيص النبي - صلى الله عليه وسلم - له بالذِّكر لا ينفي شمولَ الاسم لغيره.
ونظير هذا قوله في المسجد الذي أُسِّس على التَّقْوى، وقد سُئِل عنه فقال:"هُوَ مَسْجِدِي هذا" [3] ومعلومٌ أن هذا لا ينفي كونَ مسجدِ قُباءٍ مؤسَّسًا على التقوى، [بل ثبت أن مسجده أحق بالدخول في هذا الاسم، وأنه أحق بأن يكون مؤسسًا على التقوى] [4] من ذاك.
(1) (ق) :"في جامعه".
(2) أخرجه الترمذي رقم (3366) ، والنسائي في"عمل اليوم والليلة"رقم (305) ، وأحمد (6/ 61 ومواضع أخرى) ، والحاكم (2/ 540) من حديث عائشة - رضي الله عنها -.
والحديث قال فيه الترمذي"حسن صحيح"، وصححه الحاكم، وحسنه الحافظ في"الفتح": (8/ 613) .
(3) أخرجه مسلم رقم (1398) من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-.
(4) ما بين المعكوفين من (ق) .