وإن كان القرآن ذكر الجهاد، فإن الموضع الوحيد الذى وصف فيه"الجهاد"بـ: (الكبير) -فى القرآن الكريم -كان حديثًا عن الجهاد بالقرآن -أى بالفهم والوعى والحوار بالحكمة والموعظة الحسنة- وليس حديثًاعن القتال باللسان: {فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} . (1)
بل لقد جعلت السنة النبوية -وهى البيان النبوى للبلاغ القرآنى- من أفعال القلوب -وليس فقط الأيدى والألسنة- ميدانًا من ميادين الجهاد الإسلامى ... فعن عبد الله بن مسعود -رضى الله عنه- أن رسول الله قال:"ما من نبى بعثه الله في أمة قبلى، إلا من أمتّه حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل". (2)
كذلك جعلت السنة النبوية العلم والتعلم قرينًا مساويًا للجهاد في سبيل الله فعن أبى هريرة -رضى الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"من دخل مسجدنا هذا ليتعلم خيرًا أو يعلمه كان كالمجاهد في سبيل الله". (3) .. وفى الحديث كذلك أن"الساعى على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله". (4) ، وكذلك بر الوالدين، هو ميدان من ميادين الجهاد الإسلامى، فعندما جاء رجل إلى النبى يستأذنه في الجهاد، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم:
"أحىٌّ والداك"؟ ... قال: نعم .... قال رسول الله:"ففيهما فجاهد". (5)
وكذلك الحال مع حراسة النفس من الشيطان، يعدها الإسلام ميدانًا من ميادين الجهاد ... فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"فالمجاهد من جاهد نفسه في الله -عزوجل-". (6) ... وجعلت السنة النبوية الحج إلى بيت الله الحرام ميدانًا من ميادين الجهاد الإسلامى -وفيه التجرد من الدنيا وقوتّها، بل وزينتها، والتعايش السلمى حتى مع الهوام وكل أنواع الحيوانات والنباتات-، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"الحج جهاد والعمرة تطوّع". (7)
تلك هى حقيقة الجهاد الإسلامى، الذى هو بذل الجهد واستفراغ الوسع والطاقة، في أى ميدان من ميادين الحياة، على امتداد هذه الميادين واتساعها وتنوعها، إن الجهاد الإسلامى ليس حربًا دينية مقدسة، لأن الإسلام ينكر ويستنكر أى حرب دينية، فالإيمان الإسلامى: تصديق قلبى يبلغ مرتية اليقين ... وهو سر بين المؤمن وبين
خالقه، لا يتأتى إلا بالفهم والعلم والإقناع والاقتناع، ولا يمكن أن يكون ثمرة لأى لون من ألوان الإكراه -فضلًا عن أن يكون هذا الإكراه عنفًا قتاليًا- ولذلك فقد قرر القرآن الكريم القاعدة المحكمة والحاكمة:
{لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} . (8) ، والتى لا تعنى فقط"النهى"عن الإكراه في الدين، وإنما تعنى -أيضًا-"نفى"أن يكون
1 -] الفرقان: 52 [2 - رواه مسلم ... 3 - متفق عليه. 4 - متفق عليه