المشكلة إذن، عند هؤلاء العلمانيين أنهم يجترون ويتشربون ما يلفظه الغرب دون أن يميزوا بين ما يناسب ثقافتنا وما يتنافى معها. نجد هذا الطرح وهذا التوجيه في ضرورة أخذ الحضارة كلها من الغرب في فترة مبكرة من أطروحات المتغربين من أمثال طه حسين وسلامة موسى، ثم الجيل الثاني مع د. زكي نجيب محمود وغيره، ثم الجيل الحالي الذي يتزعمه نصر حامد أبو زيد، ومحمد أركون، وعبدالله العروي .. والقائمة تطول. ولكن تصفح الكتب التاريخية يبين على المستوى العملي الواقعي أن الحضارة الأوروبية وفي بدء انطلاقتها تبنت مبدأ الانتقاء، فقد رفضت كل ما يتنافى مع الأسس والثوابت المميزة لها، وأصبح حالنا كما قال جبران خليل جبران:"قلد الغرب الشرق بحيث مضغ وحوّ ل الصالح مما اقتبسه إلى كيانه، أما الشرق فإنه اليوم يقلد الغرب فيتناول ما يطبخه الغربيون ويبتلعه دون أن يحوّله إلى كيانه، بل إنه على العكس يحول كيانه إلى كيان غربي، فيبدو أشبه بشيخ هرم فقد أضراسه، أو بطفل لا أضراس له". ومن قبل قال الإمام محمد بن سيرين يرحمه الله:"إنَّ هذا العلم دين؛ فانظروا عمَّن تأخذون دينكم؟"، لماذا لا نستفيد مما قامت به فرنسا بلد الحريات كما يزعمون في تعاملها مع كتاب"أطلس الخلق"للباحث الإسلامي التركي الجنسية المشهور هارون يحيى؟ فبعد أن تلقت وزارة التعليم الفرنسية مئات الاستفسارات حول الكتاب ذي الصبغة الإسلامية، والذي اعتبر في فرنسا بمثابة صاعقة وهجوم علمي على فرضية النشوء والارتقاء"الداروينية"التي تقوم عليها المناهج التعليمية والتربوية في العديد من دول العالم، باعتبارها حقيقة علمية مسلّمًا بها، ثم سلم الكتاب والاستفسارات لمتخصصين وبدأ التحقيق!!
الزلزال الفكري
بينما وصفت مجلة (New Scientist) الأمريكية الكاتب ب"البطل الدولي"لجهوده الضخمة في تفنيد مزاعم التطور، لكن الزلزال الفكري للكتاب اجتاح الأكاديميات العلمية الفرنسية؛ فأثار حفيظة"الداروينيين"، الذين عمدوا إلى الضغط على الحكومة لحظر الكتاب. وبالفعل صدر بيان يحظر تداول كتاب"أطلس الخلق"، ويؤكد أنه"لا مكان له في المدارس الفرنسية"، ولو في خزاناتها.
من أعضل الأمور وأشدها التباسًا أن يكون من يدعي النخبوية في العلم والفكر غير قادر على أن يقيس ببيانه أو علمه المطارحة الغربية ويستفيد من أسياده هؤلاء. لكن للأسف، يريد العلمانيون منا أن نلبس لبوس الغرب بقده وقديده، وغثه وسمينه، ويرفعون شعار"لتكون متقدمًا لابد أن تسلخ جلدك وتلبس جلد الأوروبي والغربي، بل تغير ذاتك أيضًا"!
ألا يجدر بنا مراجعة ذواتنا وأولوياتنا والانطلاق من ديننا وقيمنا بدلًا من الجري وراء السراب والاشتغال بالأحلام الزائفة .. أو التغلغل في سرداب مظلم أو بالتعبير النبوي دخول جحر ضب خلف من دخلوا واختنقوا وهلكوا؟!