فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 163

هذه المزية لأمر الله تعالى بتقبيله، ولو لم يرد ذلك الأمر لم يكن لأحد أن يقوم بتقديسه أو تقبيله. قال للركن: (ولولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم استلمك مااستلمتك، فاستلمه، ثم قال: فمالنا وللرمل، إنما كنَّا رأينا به المشركين، وقد أهلكهم الله، ثم قال: شئ صنعه النبيُّ صلى الله عليه وسلم فلا نحبُّ أن نتركه") [1] .. فهو توظيف سليم للعقل من خلال معرفة قيمة الحجر الأسود، وفي الآن نفسه إتباع للوحي النبوي .. !!!"

وهذا لا يعني البتة أن لم يعط الأهمية للعقل؛ فهو مناط التكليف -كما سنرى في الرد على دعائم الحداثة إن شاء الله- فالعقل السليم الصحيح لايضاد الوحي بل يوافقه ويزكيه شرط أن لا يتجاوز حده!

لقد خلق الله سبحانه تعالى الناس لهم عقول متفاوتة، ومفاهيم متنوعة، شاءت حكمته أن يجعل كل كائن بشري قائما بذاته، يعمل فكره وعقله في ما يطرح عليه من مدلهمات وتغييرات، طبقا للقاعدة الأصولية التي تقول:"الأصل في العادات الإباحة حتى يرد المنع"؛أي حتى يرد منع شرع لذلك بناء على قياس شرعي .. لهذا فقد نعى القرآن الكريم على قوم ألغوا عقولهم وقالوا:"إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون) الزخرف"23.

على هذا فغن الشريعة الإسلامية بعالميتها وخلودها واتساعها للزمان والمكان تشتمل على نصوص قطعية الدلالة، وقطعية الثبوت، لا تحتمل التأويل وبخاصة في جوانب العقائد والإرث .. وتمثل الأصول والثوابت .. وهناك في السياق نفسه مجال للاجتهاد .. ولكن بضوابط! وليس كل من هب ودب له الأحقية في الاجتهاد!

ويبدو لي أن الكثير من المعلومات القرآنية والروائية شاملة لهذا المعنى .. كعمومات النهي عن الحسد وعن البغضاء، وعمومات الدعوة إلى الخير وكثير من ذلك ..

ولكن من المؤسف جدًا إننا نجد أحيانًا عقولًا فذّة تستهلك طاقتها في هدم الغير، تحت ضغط التحاسد والتباين في المواقف والأفكار، بدل أن تتوجه بجد لبناء كل ما حولها والمحافظة على الأعمال الإيجابية ـ الخير ـ القريبة منها. قال سبحانه وتعالى فيما يشعر بذلك أيضًا: (ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعدة قوة أنكاثًا .. ) النمل/ 92.

(1) - صحيح البخاري ص 279 كتاب الحج ـ باب: الرمل في الحج والعمرة: حديث رقم 1604

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت