على الإطلاق. ولذلك كان من رأينا -دائما- أن المدنية الإسلامية يجب أن تكون هي المقياس لصلاحية ما يعرض من النظم والقوانين السياسية والاجتماعية، فما وافقها من ذلك كان صالحا ومقبولا، وما خالفها يجب رفضه لأنه لا خير فيه. والمقصود الموافقة في الجوهر والمادة لا في العرض والشكل، لأن الشكليات تختلف، ولا اعتبار بها أمام المادة التي لا تبديل لها ولا تغيير، وقد أشعر بهذا الحكم قوله تعالى"وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه"المائدة 48، فإذا كانت مدنية أوربا قائمة على أصول المسيحية المستمدة من التوراة والإنجيل، فإن مدنية الإسلام مستمدة من القرآن ومهيمنة مثله على مدنية أوربا [1] ""
إنّ توظيف"المصطلحات الغربية"من طرف العلمانيين في وصف الإسلام وأحكامه ووصف كل ملتزم بدينه؛ يؤدي إلى ضرر كبير حيث تختلط مفاهيم الإسلام بمفاهيم الغرب فلا يدرى بعدها ما هو الحد الفاصل بينها، وما هو الحقّ المحض والباطل المحض. وعادة ما يؤدي هذا الخلط الذي تخفى تفاصيله عن عامة الناس إلى تركيز المفهوم الغربي في أذهان الناس، وضياع الفاصل بينه وبين المفهوم الإسلامي خصوصا إذا كانت الحضارة الغربية هي الحضارة السائدة في العالم والمهيمنة كما هو الحال اليوم. وقد يؤدي الخلط بعرض المفاهيم الإسلامية في قوالب غربية إلى استفادة أعداء الدين منه، فيتخذون من تلك القوالب أو المصطلحات المعتمدة حجة تثبت صدق مفاهيمهم وعدم تعارضها مع الإسلام مما يسهل لهم عمل بثّ أفكارهم غير الإسلامية بين الناس؛ إذ عادة ما تلتفت الناس إلى قوالب الأفكار دون معانيها. يقول ابن القيم (رحمه الله) : فأصل ضلال بني آدم من الألفاظ المجملة والمعاني المشتبهة، ولا سيما إذا صادفت أذهانًا مخبطة، فكيف إذا انضاف إلى ذلك هوى وتعصب". ومن أروع ما قاله أيضا:"
هربوا من الرق الذي خلقوا له وبلوا برق النفس والشيطان!
(1) -الشيخ عبد الله كنون: المفاهيم الإسلامية، ص:48، نقلا عن جريدة السبيل، العدد 34