أخيرا هو:"نحن قوم بعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام".
ودستور المسلمين إذن؛ يحث على العدل والإحسان، وينهى عن المنكر والبغي: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون {النحل: 90). وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم فضيلة العدل والإمام العادل في أحاديث كثيرة منها قوله صلى الله عليه وسلم:"سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل". متفق عليه، وقوله صلى الله عليه وسلم:"المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن عز وجل، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا". مسلم 1827} وقال صلى الله عليه وسلم:"إن أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأقربهم منه مجلسًا إمام عادل، وإن أبغض الناس إلى الله يوم القيامة وأشدهم عذابًا إمام جائر". {الترمذي 1329، والبغوي في شرح السنة (ج 10 ص 65) ، وقال: حسن غريب} . وههنا لا يقتصر الأمر على الحاكم بل يشمل كل من موقع مسؤوليته: المدير في مؤسسته، والأب في بيته ..
وجعل هذا الوعي بالعدل والتجديد في المجال الاقتصادي المجتمع الإسلامي أيام العُمَرَيْن، عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم، مجتمعًا عادلًا بصورة مباشرة توزع الثروات فيه: كيلًا أو وزنًا على الشعب .. ويفرض لكل مولود عطاء وكان هذا العطاء يحسب عند بلوغ الوليد مرحلة الفطام حتى وقعت تلك الحادثة المشهورة عندما مرّ عمر بن الخطاب متنكرًا على امرأة تعلل أبناءها بماء في قدر تضعه على النار حتى يناموا. فأصبح العطاء يُصرف بمجرد الولادة. وفي عهد عمر بن عبد العزيز أُلحق بكل معوق (أعمى - أعرج) تابعًا يخدمه ويعينه على حياته. ومثل هذه النظم لم توجد في المجتمعات الأوروبية إلا في الفترة المعاصرة وبعد كفاح مرير استغرق قرونًا طويلة، ثم إنه قد لا يوجد بهذه الصفة. بل من صور العدل الراقية تطبيق العدل على الجميع فلا يفلت أي واحد منه بحكم المنصب أو الجاه أو النسب عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة: أن أسامة كلم النبي صلى الله عليه وسلم في امرأة، فقال: (إنما هلك من كان قبلكم، أنهم كانوا يقيمون الحد على الوضيع ويتركون على الشريف، والذي نفسي بيده، لو فاطمة فعلت ذلك لقطعت يدها) [1] .
والمثال الآخر في العدل وهذه المرة في العصر الحديث خاصة الإمبراطورية العثمانية التي عرفت أوج عزها وعظمتها بتطبيقها لمبدأ من مبادئ الإسلامية الراقية والحضارية، وهنا اترك الكلمة للمفكر التنويري جان بودان (1576) ليتحفنا بعبارات معبرة ورقراقة، والأولى أن تكتب بماء الذهب، يقول:"انه بالجدارة وحدها"
(1) - صحيح البخاري، باب: إقامة الحدود على الشريف والوضيع. الحديث رقم: 6405