د-دور الزكاة في التنمية: تعد الزكاة إحدى الأدوات لتحقيق الضمان الاجتماعي. و في العصور الإسلامية الماضية كانت الزكاة ببيت المال مسئولية الدولة لتوزع بالعدل و لسد الاحتياجات الأساسية للفقراء و توفير لهم وسائل للعمل و كسب العيش. فهي أول مؤسسة للضمان الاجتماعي. وهي كذلك من أهم أدوات الحفاظ على المجتمع و إقامة العدالة الاجتماعية و تقليل الفجوات بين الأغنياء و الفقراء.
و قد نجحت الزكاة في تحقيق دورها بصورة رائعة في عصري الخلفاء عمر بن الخطاب و عمر بن عبد العزيز. و من الملاحظ أن دور الزكاة لم يكن فقط يقتصر على توزيعها على الفقراء، إنما كانت تستخدم في بدأ مشروعات للفقراء مما يجعلها وسيلة هامة لخلق فرص عمل. و بالتالي، فإن للزكاة دورا حيويا يجب أن يستغل استغلالا سليما لحل العديد من المشاكل الاقتصادية
التي يعاني منها المجتمع في الوقت الحالي مثل مشكلة البطالة، و الفقر، و الديون، و الفجوة الاقتصادية الفاحشة.
1 -إعداد الإنسان من أجل الإعمار والتنمية: جاء الإسلام من أجل سعادة الإنسان وحياته الكريمة لا في الآخرة وحدها بل في الدنيا قبل ذلك، ولذا فإن مما يهدف إليه الدين هو دفع الإنسان لكي يجعل من إيمانه واعتقاده منطلقا نحو سعيه في الحياة وبناءه لها وفق قواعد وأسس سليمة تقوم على الفضائل والأخلاق والمساواة والعدالة، والعمل الذي يعمر الأرض، وينتج الطيبات ويحقق الحياة الكريمة للإنسان بل من أجمل ما قرأت حديث عجيب لن تعثر عليه في قواميس الاقتصاد والخبرة الدولية بل من وحي السماء؛ يقول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم:"إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فاستطاع ألا تقوم الساعة حتى يغرسها؛ فليغرسها، وله بذلك أجر" [1] و بالتالي من سعى في الأرض و اجتهد، نال جزاءه في الدنيا و الآخرة و عم عليه الرخاء و من امتنع عن السعي و العمل، فليس من حقه أن يلوم الفقر و التخلف، بل يلوم نفسه أولا. وروى البخاري عن الزبير بن العوام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لأن يأخذ أحدكم حبله، فيأتي بحزمة الحطب على ظهره، فيبيعها فيكف الله بها وجهه، خير من أن يسأل الناس، أعطوه أو منعوه"كما دعا الإسلام إلى تعمير الأرض والاستفادة من خيراتها يقول تعالى"هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه، إن ربي قريب مجيب" [2] قال ابن كثير في تفسير هذه الأية:"استعمركم فيها أي جعلكم عمارًا تعمرونها وتستعنونها" [3] .وقال القرطبي: أي جعلكم عمارًا للأرض، وليس هناك أدق من مفهوم التعمير للتعبير عن التنمية في مفهومها الإسلامي، إذ ليس المقصود من ذلك هو التعمير المادي الحسي، بل التعمير بمعنى التطوير والتنمية، وقد ذهب الفقهاء إلى أن التعمير أو التنمية بالمفهوم الدقيق واجب على كل مسلم كما يشير إلى ذلك القرطبي في تفسيره لهذه الآية [4] .
(1) - صحيح البخاري، كتاب التفسير، رقم 4949 وصحيح مسلم كتاب القدررقم 4787.
(2) - سورة هود ـ الآية 61.
(3) - تفسير القرآن العظيم ـ ابن كثير ج 2 ـ ص 450.
(4) - انظر: الجامع لأحكام القرآن ـ القرطبي ج 1 ـ ص 65.