الصفحة 73 من 169

وأما التلمود فهو مجموعة توضيحات وتأويلات للتوراة أو هو على الأصح مجموعتان من هذه التأويلات تختلفان بعض الاختلاف في التفصيلات، ولكنهما أقل اختلافًا في الروح والأصول الإجمالية، وأهم شيء في الأسفار الدينية وغير الدينية أو في أي مجموعة من التعليمات أو الأقوال هو روحها ومنطقها ونظامها في جملة بنائها أو بنيتها، لا تفصيلاتها وأجزاؤها وما بينها من اتفاق أو اختلاف، والأجزاء تقاس بالكل ولا يقاس الكل بالأجزاء.

وأصل المجموعتين كتاب واحد هو (المشناة) أو المثنى بمعنى المكرر؛ لأن هذا الكتاب (المشناة) يكرر في تأويلاته ما جاء في التوراة، أو هو تكرار لشريعتها حين يؤوِّلها ويسجلها، وهو مقسَّم إلى ثلاثة وستين سفرًا وقد ألَّفه في القرنين الأول والثاني بعد الميلاد طائفة من أحبار اليهود وفقهائهم وربانييهم الذين يُنْسَبون إلى الفِرَق الدينية اليهودية التي تسمى الفريسيين، وهي أشهر الفرق اليهودية وأعلاها شأنًا وأثرًا بينهم من الجانب الفكري إلى الجانب الاعتقادي والتشريعي، وهذه الأسفار الثلاثة والستون التي يتكون منها (المشناة) تناولها آخرون من الأحبار والفقهاء الربانيين بالشرح والتعليق في فترة امتدَّت إلى القرن السادس الميلادي، وقد سميت هذه الشروح (الجيمارة) .

ومن المتن (المشناة) والشرح (الجيمارة) يتكون ما يسمى (التلمود) .

وقد ألف (المشناة) باللغة العبرية التي تسمى (الربانية) نسبة إلى الربانيين الذين كانوا يتكلَّمون يومئذ بها، وهي تختلف كثيرًا عن اللغة العبرية التي كُتِبَت بها التوراة قبل ذلك بقرون.

ولغة التوراة أصفى في عبريتها من اللغة الربانية؛ لأن الأخيرة ظهرت بعد انقراض الأولى من مجال الحديث والتخاطُب لدى اليهود، فاقتصر استخدامها على مجال الكتابة وحدها وكادت تختص بشؤون الدين، وأمَّا العبرية الربانية التي كتب بها (المشناة) فقد تأثَّرت بعِدَّة لغات كانت يومئذ أوسع أفقًا وسلطانًا منها، وفي مقدمتها اللغة الآرامية التي كانت يومئذ أشبه باللغة العالمية أو المشتركة بين شعوب الشرق الأدنى إلى أعماق فارس، وتأثَّرت العبرية الربانية أيضًا باللغات اليونانية اللاتينية والفارسية البهلوية، ولكن تأثُّرها بهذه اللغات الآرية الثلاث القريبة منها، كان أقل من تأثرها باللغة الآرامية القريبة منها؛ لأنها معًا لغتان ساميتان أو عربيتان.

وأما (الجيمارة) وهي شرح المشناة فكُتِبت باللغة الآرامية، وقد قام بهذا الشرح طائفتان من علماء اليهود؛ إحداهما تسكن فلسطين يومئذ، والأخرى كانت تسكن بابل أو العراق، وكلتا الطائفتين كانت تكتب المتن وهو (المشناة) بلغة العبرية الربانية وتعقبه بالشرح (الجيمارة) ، وهذا الشرح مكتوب باللهجة الآرامية التي يتكلمها الشُّرَّاح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت