س 260: هل يجوز السلام على النساء غير المحارم؛ لحديث أسماء بنت يزيد ل: «مرَّ علينا النبي - صلى الله عليه وسلم - في نسوة فسلم علينا» [1] ، وقد
(1) أَخْبَرَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ يَزِيدَ: «مَرَّ عَلَيْنَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِي نِسْوَةٍ فَسَلَّمَ عَلَيْنَا» أبوداود، كتاب الأدب، باب في السلام على النساء، برقم 5204، وهو في مسند أحمد، 45/ 542، برقم 27561، وأبو داود، كتاب الأدب، باب في السلام على النساء، برقم 5206، وابن ماجه، كتاب الأدب، باب السلام على الصبيان والنساء، برقم 3701، ومصنف ابن أبي شيبة 5/ 251، برقم 25780. وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، برقم 2986.
ولفظ الترمذي: حدَّثَنِي شَهْرٌ، قَالَ: «سَمِعْتُ أَسْمَاءَ بِنْتَ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيَّةَ، تُحَدِّثُ، زَعَمَتْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَرَّ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمًا، وَعُصْبَةٌ مِنَ النِّسَاءِ قُعُودٌ، فَأَلْوَى بِيَدِهِ إِلَيْهِنَّ بِالسَّلَامِ» ، كتاب الاستئذان والآداب، باب ما جاء في التسليم على النساء، هو في مسند أحمد،
45/ 569، برقم 27589، وحسنه محققو المسند، 45/ 570، وفي الأدب المفرد للبخاري، ص 360، ووافق النووي على تحسين الترمذي له، وعلّق عليه في الأذكار النووية 308: «فهذا محمول على أنه - صلى الله عليه وسلم - جمع بين اللفظ والإِشارة، يدلّ على هذا أن أبا داود روى هذا الحديث، وقال في روايته: فسلَّمَ علينا» ، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد، برقم 804.
ولفظ ابن سعد في الطبقات الكبرى، 8/ 10: «مر بي النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنا في نسوة، فسلّم علينا فرددنا عليه» ، ومسند الحميدي، 1/ 179، والطبراني في المعجم الكبير، 24/ 173، برقم: 436، وقال محققو مسند أحمد، 45/ 542: «حديث حسن» .
وقال الألباني في جلباب المرأة المسلمة، ص 196: «قلت: حديث أسماء هذا لا يصح، فلا يصلح للاعتماد عليه في إجازة ما دلّ مطلق حديث جابر وغيره على منعه؛ وذلك لأن إسناده يدور على شهر بن حوشب عنها، وهو مختلف فيه، وقد قال فيه ابن عدي: «وهو ممن لا يحتج به، ولا يتدين بحديثه، قال الحافظ في التقريب: «صدوق، كثير الإرسال والأوهام» . وكثرة أوهامه مما لا يشك فيه من تتبع روايته وأحاديثه، ولذلك لا نشك أن ما تفرد به، أو اختلف عليه فيه؛ أنه لا يحتج به، وإنما يعتبر به في الشواهد والمتابعات، وقد تفرد بذكر الإشارة في هذا الحديث، بل اختلف عليه فيها؛ فمنهم من أثبتها عنه، ومنهم من لم يذكرها البتة، فقد أخرج حديثه الترمذي، 3/ 386، والبخاري في الأدب المفرد، ص 151، وأحمد، 6/ 457 - 458؛ من طريق عبد الحميد بن بهرام عن شهر به. وقال الترمذي: «وهذا حديث حسن، قال أحمد بن حنبل: لا بأس بحديث عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب، قال محمد: شهر حسن الحديث، وقوي أمره، وقال: إنما تكلم فيه ابن عون» .
قلت: قد تكلم فيه غيره أيضًا، فانظر ترجمته في تهذيب التهذيب، وقد ذكرت لك خلاصة ما يستفاد من أقوالهم فيه.
ثم أخرج الحديث أبو داود، 2/ 343، والدارمي، 2/ 277، وابن ماجه، 2/ 398، وأحمد، 6/ 452 من طريق ابن أبي حسن سمعه من شهر بن حوشب، يقول: أخبرته أسماء ابنة يزيد مر علينا النبي - صلى الله عليه وسلم - في نسوة فسلم علينا. فلم يذكر ابن أبي الحسين -واسمه عبد اللَّه بن عبد الرحمن- عنه الإشارة، وذكرها عبد الحميد بن بهرام، فاختلفا، فوجب الترجيح، ورواية ابن أبي حسين عندي أرجح؛ لأنه ثقة عند الجميع كما قال ابن عبد البر، وهو محتج به في الصحيحين، وليس كذلك ابن بهرام، فهو مع كونه ليس من رجالهما، فقد قيل فيه: «إنه يهم» ، و «لا يحتج بحديثه» ؛ فلا يصلح أن يعارض بروايته ويقال: «زيادة الثقة مقبولة» ؛ لأن هذا محله فيما لو كان الزائد ثقة، قوي الحفظ، كما هو مبين في المصطلح، وليس الأمر كذلك هنا، فتنبه.
على أننا لو فرضنا أن ابن بهرام قد حفظ هذه الزيادة عن شهر، فذلك يدل على أن شهرًا نفسه كان يضطرب فيها، فكان يرويها تارة، وتارة لا، وذلك مما يوهن الاعتماد عليها والاحتجاج بها، ويؤيد هذا أن الحديث رواه غير شهر عن أسماء بدون الزيادة، فقال البخاري في الأدب: حدثنا مخلد قال: حدثنا مبشر بن إسماعيل عن ابن أبي غنية، عن محمد بن هاجر، عن أبيه، عن أسماء ابنة يزيد الأنصارية: مر بي النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنا في جوار أتراب لي، فسلّم علينا. وهذا إسناد صحيح إن شاء اللَّه تعالى، ورجاله ثقات، رجال الصحيح، غير مهاجر والد محمد، وقد روى عنه جمع، وذكره ابن حبان في الثقات،
5/ 427، فالأخذ بحديثه هذا أولى، ولا سيما وهو مولى أسماء هذه، فهو أعلم بحديثها من شهر. وبذلك يثبت أن أصل الحديث صحيح، وأن ذكر الإشارة فيه منكر من أوهام شهر بن حوشب، فلا يحتج بها، ولا يعارض الحديث الذي نحن في صدد الكلام عليه.
تنبيه: قال الحافظ في الفتح بعد أن ساق حديث أسماء، واللفظ الذي فيه الإشارة: «وله شاهد من حديث جابر عند أحمد» . ونقله عنه المباركفوري في تحفة الأحوذي.
ويغلب على الظن أن قوله: جابر: سبق قلم من الحافظ، والصواب: (جرير) ، فإن الهيثمي لم يورد في المجمع، 8/ 38 غير حديثه، ولفظه: «مر النبي - صلى الله عليه وسلم - على نسوة، فسلم عليهن» ، وهو في المسند، 4/ 357، و 363، وعمل اليوم والليلة لابن السني، رقم 221، وأبي يعلى، والطبراني، وقد تكلم عليه الهيثمي بما يدل على اضطراب إسناده، وفي بعض طرقه جابر عن طارق التيمي، قال الهيثمي: «فإن كان جابر هو الجعفي فهو ضعيف» .
وجزم الحافظ في التعجيل بأنه هو، وفيه نظر، فإنه وقع في السند جابر بن عبد اللَّه، والجعفي اسم أبيه يزيد، فافترقا، واللَّه أعلم». ا. هـ كلام الشيخ الألباني.