كبيرة، والتعليم العالي ينمي المعرفة؛ ولكنه يوجه الأفكار، والمساعدة الاقتصادية والاجتماعية التي توفرها الدولة الحديثة تنطوي على مركزية مالية متزايدة [1] ...
فهنا في جسم الحضارة الأوروبية، وبالتالي تاريخها وحضارتها، كان دور الدولة هو الدور الرأس والعقل والدم ... إنها تنساب في الكيان كله، وقد حاولت الكنيسة منافستها، والاشتراك معها في صياغة المجتمع وتوجيهه، وقد نجحت في ذلك حتى نهاية العصور الوسطى الأوروبية، وإن كانت قد منيت بفشل ذريع بعد فشل الحروب الصليبية؛ التي جرت الكنيسة المجتمعات الأوروبية إليها. ومع بداية العصر الحديث أفل دور الكنيسة، وانفردت الدولة خلال القرون الأربعة الأخيرة بالقيادة والتوجيه.
وبعد صراع مرير تمكنت الدولة والشعب في أوروبا من الوصول إلى صياغة خاصة بالحياة لا سيطرة فيها على الإنسان إلا للدولة ...
لقد نحي كل دور آخر ... وأصبح القانون هو كل شيء، وأصبحت الدولة حارسة القانون ... وابتعد الدين -وبالتالي الكنيسة- عن الحياة!!
لكن الأمر في الحضارة الإسلامية مختلف كل الاختلاف ... فالإسلام لا تحميه طبقة معينة؛ بل هو مسؤولية الأمة كلها، وليست المساجد إلا دورًا للأمة كلها، وهي ذات وظيفة شمولية، والعلماء مجرد موجهين ومعلمين، لا يملكون أدنى سلطة. ولم يوجد في الحضارة الإسلامية صراع بين مؤسسات خاصة بالدين، ومؤسسات خاصة بالدولة؛ بل كانت الأمة كلها تستنكر انحراف الحكام ... وعندما تيأس من تقويم انحرافهم كانت تبتعد عنهم، وتتولى هي بنفسها صناعة حضارتها وحفظ عقيدتها، منددة -قدر الاستطاعة- بظلمهم، عاملة -في حدود عدم الاشتباك معهم حتى لا ينهدم البناء- على إصلاحهم أو التخلص السلمي منهم.
إن النسبة هنا لنفوذ لدولة وآثارها كانت محددة ومرصودة ومعزولة ...
وحتى العلم لم يكن يؤخذ باطمئنان إلا من رجال الدعوة ... لا من علماء السلطة ... وكانت منزلة الحسن البصري، وعبد الله بن المبارك، والليث بن سعد والعز بن عبد السلام- وعشرات غيرهم ممن عرفتهم حضارتنا- أعلى منزلة من حكام عصرهم، ومع عظمة بعضهم ...
(1) جاك ونديو دوفاير: الدولة، ترجمة: سموحي فوق العادة، منشورات عويدات بباريس بيروت، ص 6 - 7 (بتصرف) .