وكانت هناك مؤسسة حكم تقوم على حراسة الإسلام، وقد تبتعد أحيانًا عن تطبيق أحكامه.
والنسبة بين الأمة والدولة؛ كالنسبة بين الأعماق والسطوح، وبين الجماعة والفرد!!
فالأمة الجماعة (جماعة المسلمين) أو (جماعة الدعوة) أو (أمة الدعوة) هي مجموع الأمة؛ التي تزيد نسبتها على تسعة أعشار الفاعلين في الحضارة، والدولة هي (أفراد) و (هيئات) أجيرة تمثل عشر الفاعلية الحضارية.
(وعلى طول تاريخ الجماعات الإسلامية -وعلى اختلاف أوطانها وأزمانها- ظلت الجماعة قائمة لها قوتها واختصاصاتها ومسؤولياتها إلى جانب الدولة.
فمعظم المشكلات والمنازعات كان الناس يحلونها فيما بينهم بالتراضي والتفاهم أو التنازل المتبادل ... ومن هنا نفهم كيف أن مدنًا كبيرة -كالفسطاط أو البصرة أو الكوفة- كان لها قاض واحد؛ ولم يكن هذا القاضي -مع ذلك- مرهقًا بالقضايا؛ لأن الناس كانوا لا يلجئون إليه إلا في حالات الضرورة القصوى.
وكذلك كانت المساجد ورعايتها دائما من اختصاص الجماعة، يبنيها الأثرياء أو الناس العاديون، وتوقف عليها الأموال، لأن المساجد التي كانت تبنى بأموال الخلفاء والسلاطين كانت قليلة العدد، إلى جانب أنها كانت في بعض الأحيان مساجد سلطانية؛ لم تخل من قصد إلى الزهو وإظهار الغنى والقوة، والرغبة الشخصية في بقاء الذكر).
(ومثل ذلك يقال عن التعليم؛ فقد كان من شأن الجماعة، وقلما أنفقت الدولة شيئا عليه في شرق الدولة الإسلامية قبل العصر السلجوقي في القرن الخامس الهجري، الحادي عشر الميلادي، باستثناء عطايا؛ كان الخلفاء والسلاطين يقدمونها للظاهرين من أهل العلم على سبيل المكافأة. وكذلك كان الحال مع مواصلات البر والبحر) [1] .
إن هناك قضية خطيرة لم يفهمها بعض الناس، وبسبب عدم الفهم -هذا- أخطئوا في فهم الموازين الصحيحة لتقويم حضارتنا الإسلامية .. !!
إنهم لم يفهموا (العلاقة) ولا (النسبة) بين الدولة والأمة، أو الدعوة والدولة في الحضارة الإسلامية، بل سقطوا في تشريح حضارتنا بالمبضع نفسه الذي شرحوا به الحضارات الأخرى، ولا سيما الحضارة الأوروبية.
-ومن هنا جاء تقويهم جائرًا وفاسدًا ...
إن (الدولة) -في التجربة الأوروبية - منذ ظهرت وحتى العصر الحديث تشير إلى سلطات مطلقة، ولكنها متمركزة ضمن حدود، بيد أنه لا يمكن التمييز بين مهمتها وطاقتها؛ فالخدمات التي تؤديها تختلط مع الامتيازات التي تمارسها، وجميع أشكال العمل التي تحت تصرف الدولة هي أجهزة السلطة ووسائل الحكومة. والشرطة تحمي الأفراد، ولكن امتيازات وزير الداخلية
(1) د. حسين مؤنس: عالم الإسلام، ص: 25، 26، طبع دار المعارف بمصر، طبعة أولى.