ذلك في فترة زمنية واحدة؛ حيث تحتل مجموعة منها الصدارة، ثم تضمحل الأخرى. لكن هذه المكانة المتقدمة لا تبقى دائما في ملك مدرسة معينة، بل يمكن للمدارس التي كانت في الهامش أن تحظى بالصدارة في فترة من الفترات. ولا يتحقق تطور المدارس الأدبية والفنية بالتدرج، بل بالتقاطع والتداخل؛ إذ يمكن في حقبة زمنية ما أن توجد مجموعة من المدارس، وليست مدرسة واحدة. وينطبق هذا التطور الجدلي على الأنواع والأجناس الأدبية التي تسود وتضمحل لتنبعث من جديد.
وتتميز هذه الأجناس والأشكال الأدبية بقيمتها المهيمنة؛ كما يحدد ذلك رومان جاكبسون في مقاله عن (القيمة المهيمنة) [1] . وقد تحدث شلوفسكي عن التطور الأدبي في كتابه عن (روزانوف) ،"فيتناول - تقريبا في شكل استطراد حول الموضوع الرئيسي - نظرية كاملة عن التطور الأدبي. إن هذا الكتاب يعكس النقاشات النشطة التي كانت تدور في الأوبوياز حول هذه المسألة. ويشير شلوفسكي إلى أن الأدب يتقدم في خط متقاطع .. إن كل حقبة أدبية تتضمن مدارس متعددة، وليس مدرسة أدبية واحدة. وهذه المدارس تتواجد في الوقت نفسه داخل الأدب، غير أن واحدة منها تستولي على الصدارة، فيقع تقنينها، وتبقى المدارس الأخرى غير مقننة ..."
إن كل مدرسة أدبية جديدة تمثل ثورة، ظاهرة تشبه ظهور طبقة اجتماعية. غير أن هذا، بالطبع، إن هو إلا من قبيل التناظر. فالفرع المهزوم لا يقضى عليه، ولا يكف عن الوجود. إنه يغادر فقط الذروة، ويحال على قاعة انتظار؛ حيث يمكنه أن يبرز من جديد مثل مُطالِب بالعرش. إن الوضعية تتعقد في الواقع؛ ذلك أن الهيمنة الجديدة ليست مجرد
(1) - رومان جاكبسون: (القيمة المهيمنة) ، نظرية المنهج الشكلي، ترجمة: إبراهيم الخطيب، الشركة المغربية للناشرين المتحدين، الرباط، الطبعة الأولى سنة 1983 م. ص:81.