وهكذا، يتفرع نسق الأدب الرفيع إلى أنساق فرعية، مثل: الأدب المقارن، والأدب الشعبي، والأدب المترجم، وأدب الأطفال، وأدب الشباب ... ويبدو أن كل حقل أو نسق عبارة عن ساحة حرب وتنافس وصراع ورهان وهيمنة ضمن ما يسمى بلعبة الأدوار. وقد توجد أجناس أدبية سامية ورفيعة ومقدسة معترف بها مؤسساتيا، وأجناس سفلية وهامشية غير معترف بها. بمعنى أن هناك أجناسا كبرى تسيطر على المركز كالشعر، والرواية، والقصة القصيرة، والمسرحية ... وفي الوقت نفسه، هناك أجناس أدبية في شكل أنساق فرعية توجد في الهامش أو المحيط، مثل: اليوميات، والمذكرات، والمقامة، والرسائل، والوصايا ... ويمكن للأنساق الفرعية أن تتنافس وتدخل في صراع جدلي لتهيمن على موقع الصدارة. فليس ثمة أنساق منعزلة أومحايدة، بل هناك أنساق متفاعلة ومترابطة ومتداخلة، وفق مرجعيات سياقية وتناصية مختلفة، تتضمن عناصر ثابتة ومتغيرة، ويحدث بينها صراع وصدام وتنافس وتوتر. ومن ثم، لابد من وضع البنية النسقية ضمن سياقها التاريخي والتطوري، وضمن النسق السيميوطيقي العام.
إذًا، ما مفهوم نظرية الأنساق المتعددة؟ وما مرتكزاتها النظرية والمنهجية؟ وما سياقها التاريخي والإبستمولوجي؟ ومن هم أهم روادها وأعلامها؟ وما إيجابياتها وسلبياتها؟
هذا ماسوف نرصده في كتابنا هذا الذي عنوناه بـ (نحو نظرية أدبية ونقدية جديدة(نظرية الأنساق المتعددة ) ) ، على أساس أن نظرية الأنساق المتعددة لها تأثيرها الواضح والجلي في مجال الترجمة، واللسانيات، والثقافة، والأدب بصفة عامة، والأدب المقارن بصفة خاصة.