ثم لم يزل قولُ الطحاويِّ هذا معتمدًا في المذهب، فبعده قال السرخسي من كبار أئمة الحنفية [1] : (( المرأة من قرنها إلى قدمها عورة ... ، ثم أبيح النظر إلى بعض المواضع منها للحاجة والضرورة ) ).
فأخذ قولَ سلفه المستنبط من تفسير ابن عباسٍ لكنه قيَّد جواز النظر بالحاجة والضرورة، وجعل كُلَّ بدنها عورة يجب عليها ستره من نظر الأجانب.
ثم جاء من بعده كمال الدين ابن الهمام وهو من رؤساء المذهب فقال [2] : (( المرأة منهيةٌ عن إبداء وجهها للأجانب بلا ضرورة ) ).
فلخَّص بهذه العبارة ما تفرَّق من تقرير أئمة المذهب الذين تقدموه.
ثم لم يزل ذلك منقولًا معتمدًا يقرِّرونه بحروفه إلى أن قرَّره ابن عابدين في حاشيته وهو عمدة المتأخرين منهم وجامع خلاصات المذهب [3] .
فتَرَى أنَّ المذهب الحنفيَّ ينتهي أئمته في تقرير المسألة إلى محكم القرآن الذي تضمنته آية الجلابيب وآية القواعد من النساء التي تجعل زينة الوجه مما لا يحلُّ إبداؤه للأجانب، وانحصر أثر قول ابن عباس عندهم في مسألة نظر الرجال إلى المرأة لغير شهوة، ثم قيّدوه بالحاجة.
والمقام هنا مقام إشارةٍ تُبَيِّنُ أنَّ التنازع في معنى قول ابن عباس أحدث إشكالاتٍ في بعض مسائل النظر وتداخلًا في بعض الأقوال، لكنه لم يَعُدْ بالنقض على الأصل المنصوص في القرآن، لأنهم في هذه المسائل يسلكون جادةً علميةً لاحبة؛ للنزاع فيها حدود ولتفاوت الأنظار فيها قيود.
(1) المبسوط (10/ 145) .
(2) فتح القدير (2/ 514) .
(3) حاشية ابن عابدين (1/ 406، 2/ 528) .