المثال الثاني: مَنْ حَمَلَ آيةَ الزينة على حكم النظر من الرجال.
قال الإمام أبو بكر الجصاص الحنفي رحمه الله في أحكام قوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [1] : (( قال أصحابنا: المراد الوجه والكفان لأنَّ الكحل زينة الوجه والخضاب والخاتم زينة الكف، فإذ قد أباح النظر إلى زينة الوجه والكف فقد اقتضى ذلك لا محالة إباحة النظر إلى الوجه والكفين ... ، بغير شهوة ) ).
فحمل قول ابن عباس على حكم نظر الرجال إلى زينة المرأة.
وقال في أحكام آية الجلابيب [2] : (( في هذه الآية دلالة على أنَّ المرأة الشابة مأمورةٌ بستر وجهها عن الأجنبيين وإظهار الستر والعفاف عند الخروج لئلا يطمع أهل الريب فيهن ) ).
وقال في تفسير آية القواعد من النساء [3] : (( لا خلافَ في أنَّ شعر العجوز عورةٌ لا يجوز للأجنبي النظر إليه كشعر الشابة ... ، وفي ذلك دليل على أنه إنما أباح للعجوز وضع ردائها بين يدي الرجال بعد أن تكون مغطاة الرأس وأباح لها بذلك كشف وجهها ويدها لأنها لا تشتهى ) ).
فترى أنه لما انتهى إلى آية الجلابيب وآية القواعد من النساء نطقَ بالمحكم البيِّن وانتهى إليه وجزم به، وحمل قول ابن عباسٍ - رضي الله عنه - على حكم نظر الرجال.
وهذا الذي قال الجصاص قد قرَّر مثله من قبله الإمام أبو جعفر الطحاوي رحمه الله وهو من أئمة المذهب الأوَّلين، فإنه قال [4] : (( فأبيح للناس أن ينظروا إلى ما ليس بمحرم عليهم من النساء إلى وجوههن وأكفهن ) ).
لكنه لما قرَّر مسألة كشف المرأة وجهها قال [5] : (( وتمنع المرأة الشابة من كشف وجهها بين رجال ) ).
(1) أحكام القرآن للجصاص (5/ 172 - 173) .
(2) أحكام القرآن للجصاص (5/ 245) .
(3) أحكام القرآن للجصاص (5/ 196) .
(4) شرح معاني الآثار (4/ 332) .
(5) رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (1/ 272) .