تمهيد:
الأحكام الشرعية التي تعبَّد الله بها عبادة لم تنزل جملةً واحدةً، بل نزلت مُنَجَّمةً على أسبابٍ وأحوالٍ، ثم امتثلها مَنْ نزلت فيهم امتثالًا رضيه الله ورسوله، فصار العلم بمجموع ذلك علمًا بالشريعة وفقهًا فيها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله [1] : (( الواجب أن تُعْرَف اللغةُ والعادة والعرف الذي نزل في القرآن والسنة، وما كان الصحابة يفهمون من الرسول عند سماع تلك الألفاظ، فبتلك اللغة والعادة والعرف خاطبهم الله ورسوله لا بما حدث بعد ذلك، وأيضا فقد بَيَّنَّا في غير هذا الموضع أنَّ الله ورسوله لم يَدَعْ شيئا من القرآن والحديث إلا بيَّن معناه للمخاطبين ولم يُحْوِجهم إلى شيءٍ آخَر ) ).
فعلى هذا الأصل لا بدَّ من بيان العادةِ والعرفِ الذي كان عليه العرب الذين نزل الوحي فيهم، وبيان معاني الألفاظ الشرعية التي نزلت بهذا الباب ليتحقَّق للناظرٍ أنَّ أئمة السنة والجماعة لم يخرجوا عما نزلت به الشريعة قيد شعرة.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله [2] : (( معلوم أنَّ الله سبحانه حَدَّ لعباده حدودَ الحلال والحرام بكلامه وذمَّ من لم يعلم حدودَ ما أنزل الله على رسوله، والذي أنزله هو كلامه، فحدود ما أنزله الله هو الوقوف عند حَدِّ الاسم الذي عَلَّق عليه الحِلَّ والحرمة فإنه هو المُنَزَّل على رسوله، وحَدُّهُ بما وُضع له لغةً أو شرعًا بِحيث لا يدخل فيه غيرُ موضوعه ولا يخرج منه شيءٌ من موضوعه ... ، فإنَّ أعلم الخلق بالدين أعلمهم بحدود الأسماء التي عُلِّقَ بها الحِلُّ والحُرمة، والأسماء التي لها حدودٌ في كلام الله ورسوله ثلاثة أنواع: نَوْعٌ له حَدٌّ في اللغة كالشمس والقمر والبَرِّ والبحر والليل والنهار فَمَنْ حمل هذه الأسماء على غير مسمَّاها أو خَصَّهَا يبعضه أو أخْرَجَ منها بَعْضَهُ فقد تَعَدَّى حدودها ) ).
وهذا النوع هو ما فرض الله تعالى به أحكامَ هذا الباب؛ فالحجاب، والدخول على النساء، والدخول على المغيبة، والتبرُّج، والتبرُّج بزينة، والخمار، والضرب به،
(1) مجموع الفتاوى (7/ 106) .
(2) إعلام الموقعين (1/ 266) .