الغايات التي نزلت الشريعة لتحصيلها في هذا الباب:
قد أنزل الله الأحكام الشرعية في هذا الباب مبيَّنةً مفصَّلةً لتحصيل غاياتٍ جليلة بيَّنها كتابُ الله البيانَ الشافي القاطع للعذر، ونوجزها هنا إيجازًا في ثلاث غاياتٍ كبار ليتبيَّن أين يمَّمت الشريعة وأين يمَّمَ المخالفون لها:
الغاية الأولى: حسم أولى الخطوات إلى الفاحشة.
وهذه الغاية قد بينها الله تعالى في سورة النور أحسنَ بيان؛ فإنَّ هذه السورة ابتدأت بذكر حَدِّ فاحشة الزنا، واللعان، وحادثة الإفك، ثم لعنت الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، ثم شَرَعت في النهي عن خطوات الشيطان الموصلة إلى هذه الفاحشة العظيمة التي هي خرابٌ للنسل الإنساني.
فمن الركيزة الأولى تميَّزت الشريعة الإلهية عن أهواء الذين لا يعلمون؛ فهي تحسم الخطواتِ والمبادئ، وهم يعالجون إنْ عالجوا النهاياتِ والمصائبَ إذا حَلَّت وصَلِيَ بنارها الناس!
ثم ذكر الله تعالى الخطوة الأولى من خطوات الشيطان إلى الفاحشة فأغلق بابها وهي"البصر"فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} [النور:27] ، وقد قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فيما أخرج البخاري [1] عن سهل بن سعد - رضي الله عنه: Mإنما جُعِل الاستئذان من أجل البصر L.
ثم أمر المؤمنين والمؤمنات بغَضِّ أبصارهم عن العورات، وأمرهم جميعًا بحفظ فروجهم من أبصار غيرهم، ثم فَصَّل للمؤمناتِ خاصةً ما يَحِلُّ أن يبدو من زينتهنَّ للأبصار، ثم فصَّل مَنْ يحلُّ أن يُبدينَ تلك الزينة له.
فالشريعة لم تذكر الغاية الكبرى (وهي الوقاية من الفاحشة) ثم تَدَعُ للناس أن يجتهدوا في سُبُل تلك الوقاية، بل هي من بيَّنَ وفصَّل وتدرَّج في التشريع.
ثم ذكر الله تعالى أعظمَ خطوةٍ مُيَسِّرةٍ للحلال الذي يُضَيِّق أصلَ مجال الفاحشة ويبني دونها أسوارًا عاليةً وحصونًا منيعة في قوله: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ
(1) صحيح البخاري (رقم 5887) .