الصفحة 29 من 145

إنكار ما خالفها، وبذلك ينضبط النقل ويستقيم الفهم.

قال ابن عباسٍ - رضي الله عنه - بعد هذه الآيات [1] : (( {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} [آل عمران:106] ؛ تبيضُّ وجوه أهل السنة والجماعة وتسودُّ وجوه أهل البدعة والضلالة ) )، لأنَّ المنهج المُبَيَّن في هذه الآيات فَرَّقَ بين الفئتين.

و"المعروف"الذي تعبَّدنا الله به هو ما عَرَفَ أئمةُ الجماعة من معاني كلام الله ورسوله، فالخروج عن المعاني المسمّاة التي عَلِموها وعَرَفوها وبيَّنوا وجوهها وإحداثُ قولٍ بعدَها خروجٌ عن المعروف إلى المنكر.

ومن المعروف كذلك سبيلُ المؤمنين في نقل الشريعة كتابًا وسنة، وسبيلهم في نقد المنقول، وسبيلهم في الاستدلال والاستنباط، وغير ذلك.

فالله تعالى قد ألزمنا بهذا المنهج العلمي السنِّيِّ الجماعيِّ المحكم المتماسك الذي لا يفصمه إلا ضالٌّ عن سبيل المؤمنين وأحالنا عليه ولم يأذن لنا بتَعَدِّيه وسمّاه معروفًا، وسمَّى ما حاد عنه منكرًا.

قال الله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء:115] .

الاستدلال مع نبذ المعروف هو منهج الخوارج الأولين:

لكلِّ فرقةٍ من الفرق المخالفة للمنهج السنيِّ الجماعيّ سبيلٌ ضَلَّت به عن سبيلِ المؤمنين وفارقت به غيرها من الفرق، فمن ذلك أنَّ الرافضة رفضوا سبيلَ المؤمنين في نقل الدين من أصله وطعنوا في طريقهم طعنًا عامًا، وزعموا أنَّ لهم في نقل الدين طريقًا مستقلَّة وهم كاذبون عاجزون عن الاستقلال بمسألةٍ شرعيةٍ واحدة لأنَّ دينهم يقطع عليهم كلَّ طُرُق العلم.

والجهمية (وورثتهم الأشعرية المتأخِّرة) لم يُكَذِّبوا بنقل الأمة الوحيَ لكنهم اتبعوا غير سبيل المؤمنين فلم يجعلوا نصوصَ الوحي أصولًا تَعْصِم من اعتصم بها في المطالب الإلهية، بل أحالوا العِلْمَ اليقينيَّ في ذلك على قواعدهم العقلية، وجعلوا

(1) أخرجه ابن أبي حاتم وأبو نصر في الإبانة والخطيب في تاريخه واللالكائي في السنة (الدرّ المنثور: 2/ 291) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت