كل شجر البرية لم يكن بعد في الأرض، وكل عشب البرية لم ينبت بعد لأن الرب الإله لم يكن قد أمطر على الأرض ولا كان إنسان ليعمل في الأرض، هي تكرار لليوم الثالث وهي لا تعني أن الله بدأ خلق النبات في هذا الوقت، لأن الآن كانت الأرض قد اكتملت، وهذه الآية قد ذكرت هنا لتشير أن الله خلق النبات، لأجل آدم حبيبه ليكون له طعامًا، وهو خلق النبات من أرض كانت خربة وخالية، هذه الآية مراجعة لليوم الثالث تتمشى مع فكرة الإصحاح الثاني أن الله أعد كل شيء للإنسان [1] .
ونفس الأمر في التناقض القائم بخلق الحيوانات، حيث يذكر تكوين (1: 24 - 25) أن الله خلق الحيوانات في اليوم السادس قبل أن يخلق الإنسان، وفي تكوين (2: 19) يذكر أن الله خلق الحيوانات بعد أن خلق الإنسان.
يحاول المصدر الكنسي مبررًا بأن الترجمة الجيدة المعتمدة لما جاء في تكوين (2: 19 - 20) ، تقول:"وكان الرب الإله قد جبل من التراب كل وحوش البرية و طيور الفضاء وأحضرها إلى آدم ليرى بأي أسماء يدعوها، فصار كل اسم أطلقه آدم على كل مخلوق حي اسمًا له. وهكذا أطلق آدم أسماء على كل الطيور والحيوانات والبهائم". لا يقول هذا النص أن الله خلق الإنسان ثم خلق الحيوانات ثم أحضر الحيوانات إلى آدم. بل بالحري يقول النص:"وكان الرب الإله قد جبل (قبل أن يخلق الإنسان) كل وحوش البرية ..."فليس هناك أي تناقض كما نرى. في اليوم السادس خلق الله الحيوانات ثم خلق الإنسان ثم أحضر الحيوانات إلى الإنسان وسمح للإنسان أن يطلق أسماء على الحيوانات.
ويرى المصدر الكنسي: أن من يفسر آيات سفر التكوين بأننا عندما ندرس روايتي الخلق كل منهما على حدة ثم نجمعهما معًا نرى أن الله يصف ترتيب الخلق في"تكوين 1"، ثم يقوم بتوضيح أهم التفاصيل، خاصة المتعلقة باليوم السادس في"تكوين 2". فلا يوجد أي تناقض هنا، بل هو مجرد وسيلة أدبية لوصف حدث بدأ من العام إلى الخاص.
لم ينتهِ الموقف الكنسي عند حد إبطال التناقض أو دحضه • كما يتصورون • أو نفيه تمامًا بل ينفون العلاقة الواهية بين العلم والدين بأن لرجال الدين عملهم، ولرجال العلم عملهم، وأن ليس لأحدهم أن يتدخل في عمل الآخر، وأنه ليس هناك صراع قائم بين العلم والدين، وإنما بين الفلسفة الطبيعية وبين رجال الدين، كالاختلاف حول تفسير أصل الأنواع، وتقدير عمر الإنسان على الأرض، فهو اختلاف حول فروض علمية وليس حول حقائق علمية، وأنه ليس هناك صرع بين العلم والدين بل مصالحة!
(1) وديع شكري، دراسات كتابية في سفر التكوين والاعتراضات، شركة ترينتي للدعاية والإعلان، القاهرة، ص 82.