مصادر سفر التكوين تشير بعد الدرس والفحص أن اليد التي كتبتها يد بشرية، وجاءت الشهادة من أهلها بحسب ما جاء في الدراسة المتميزة التي قام بها الرهبان اليسوعيين والمسكونيين التابعين لفرنسا، حيث أثبتوا التأثيرات البيئية والمجتمعية والحضارية التي مد إليها كاتب سفر التكوين أو كاتبوه لينقلوا ما شاء لهم من أساطير شاعت في مصر الفرعونية، وبلاد ما بين النهرين بالعراق، وبلاد الكنعانيين، والمنطقة الفينيقية [1] .
وكان للاكتشافات الأثرية التي تمت منذ قرابة القرن هي التي كشفت المشتركات بين الصفحات الأولى من سفر التكوين وقصة الخلق البابلية التي تركت آثارها بقوة في قصة الخلق التوراتية [2] .
طبقًا لكل الدلائل التي أحاطت بسفر التكوين من نقد نصي، ونقد أدبي، ونقد لمصادره، وطبقًا للمكتشفات الأثرية التي تعد من الشواهد القوية، وطبقًا لما صرح به علماء من يؤمنون بالكتاب المقدس، تنفي نفيًا تامًا أن يكون قد كتب موسى حرفًا فيه أو أملاه على غيره، أو كتبه في حياته، أو كتبه بعد أقرب جيل تالٍ له، ولم يكتب في صحراء سيناء في التيه لم يستقروا في مكان بعد، بل كتبت في عصر الملوك، أي بعد أن استولوا على كنعان، واتخاذهم أورشليم عاصمة لمملكتهم، وهذه الأدلة إلى جانب ما تناوله علماء المسلمين لهذا السفر بالنقد أنه ليس وحي الله تعالى المنزل على موسى، وأنه بشري الصناعة، ولم يكتب بإلهام من روح القدس.
كما أن أطروحات الدكتوراه الحديثة لتؤكد وثاقة النهج الإسلامي في إثبات تحريف الأسفار الأولى بسفر التكوين، دلالة على سير الأولين من الأعلام الذين كان لهم الريادة في دراسة كتب الديانات السابقة، والتي تدور في فلك علم مقارنة الأديان عموما، ونقد التوراة على وجه التحديد.
هذا العلم الذي يضرب بجذوره عميقا في ماضي الحضارة العربية الإسلامية، مُشكلا بذلك حلقات متواصلة من الحوار المثمر والفعال بين مختلف الثقافات والحضارات واللغات. ولم يكن هذا الاهتمام بالأديان طارئا على هذه الحضارة الشامخة، كما أنه لم يكن وليد ظروف معينة فيتوارى إلى الخلف بمجرد انتفاء أسباب ظهوره ونشأته.
لقد كان القرآن الكريم الذي يحمل إلى العالم أجمع رسالة التسامح الحق المنطلق الأول لنشأة وتطور النقد الإسلامي للكتاب المقدس بجزأيه العهد القديم والعهد الجديد. ومن هنا أتى القرآن الكريم بحسب تعبير محمد خليفة حسن بنظريتين أساسيتين هما عماد النقد الإسلامي، أصبحا فيما بعد عماد النقد الغربي الحديث، والذي تمثله
(1) انظر: إبراهيم ثروت حداد عافية، كشف الخطأ والدخيل في توراة بني إسرائيل، دراسة مقارنة من التوراة والقرآن، مركز التنوير الإسلامي، القاهرة، 2006، ص 13.
(2) علي عبد الواحد وافي: الأسفار المقدسة في الديانات السابقة للإسلام، مكتبة نهضة مصر، 1964 م، ص 30.