لكن لم يقيض لكثير من هذه الوثائق أن تحفظ؛ لكونها لم تكن مرصودة في سجلات المحاكم يسهل الرجوع إليها، بل وضعت تحت يد الوكلاء والنظار، ومن يعنيهم التطبيق، لذلك نراها ضاعت مع ما ضاع من تراث هذه البلاد [1] .
وإن حفظت وظهرت بعض الوصايا والأوقاف العامة، ما ذلك إلا لتعلقها بالحق العام الذي يشترك فيه كل فرد من أبناء المنطقة، أو لأن المسؤول عنها هم القضاة والعلماء.
أما الأوقاف المتعلقة بالورثة والأقرباء، فهذا مما يحرص الناس على كتمانه، وعدم نشره؛ لتداخل الحقوق فيه، والذي في الغالب تتعطل منفعته بعد جيل أو جيلين من الزمن [2] .
على أننا نجد الأمر بعد ذلك يأخذ بعدًا تنظيميًا من قبل ولاة الأمر، حيث وجهوا القضاة إلى تنظيم الوثائق الوقفية القديمة وضبطها.
فكان من مهام الشيخ عبد الله بن دهيش - رحمه الله - مثلًا: (تنظيم محكمة الإحساء، وتسجيل الصكوك في سجلات خاصة، حيث أمر الملك عبد العزيز - رحمه الله - أن تعرض عليه جميع صكوك الإحساء القديمة، و فضبطها في سجلات خاصة، ودوَّن تطوراتها وصفة انتقالها: سواء ببيع أو بوقف أو بقسمة، وضبط حدودها، وحقوقها الجارية عليه من ماء ونحوه) [3] .
ولما انتظم العمل في المحاكم الشرعية، ونصب القضاة في سائر المناطق بعد توحيد المملكة العربية السعودية، ونظمت سجلات المحاكم، صار العمل على توثيق
(1) انظر: محمد الشويعر:"نجد قبل (250) سنة": (580) .
(2) المصدر نفسه: (61) .
(3) عبد الله البسام:"علماء نجد خلا ثمانية قرون": (2/ 351) .