المطلب الثالث:
جهة التوثيق
يندرج توثيق الأوقاف ضمن الأصل العام في التوثيق في الفقه الإسلامي، فلئن كان التوثيق في الديون لحفظ حقوق الأفراد، فإن الأوقاف لها متعلقات من جهات عدة:
فهي قربة من القرب إلى الله عز وجل ولذلك فإن بعض العلماء يرون أن الوقف ينتقل إلى ملك الله - جل جلاله -، وهذا قول الحنفية، والظاهرية، وهو الراجح في مذهب الشافعية، ورواية عند الحنابلة. [1] 1)
وهو حق للموقوف عليهم، ولذلك قال بعض العلماء أن العين الموقوفة تنتقل إلى ملك الموقوف عليهم المنتفعين من الوقف وهو القول المشهور عند الحنابلة. [2] 2)
وهو وقف الواقف تقرب به إلى ربه، ولهذا قال بعض العلماء أن الوقف لا يُخرج العين الموقوفة عن ملكية واقفها بل تبقى على ملكه مع تحبيسها لله - جل جلاله - فلا يحق له بيعها، وبهذا القول قال المالكية، وهو رواية عند الحنابلة، ورجحه ابن الهمام من الحنفية. [3] 3)
والحق أن الوقف عين تعلقت بها متعلقات عدة، ولشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في ذلك كلام نفيس، إذ يقول: (وقول القائل: يملكه صاحبه، أو لا يملكه في ذلك، وفي نظائره كقوله: العبد يملك أو لا يملك، وأهل الحرب هل يملكون أموال المسلمين، أو لا يملكونها، والموقوف عليه هل يملكون أموال المسلمين، أو لا
(1) ينظر: العيني:"البناية في شرح الهداية": (6/ 141 - 142) ، و ابن حزم:"المحلي": (10/ 180) ، و الشيرازي"المهذب" (1/ 447 - 448) ، المرداوي"الإنصاف": (7/ 38) .
(2) ينظر: ابن قدامة"المغني": (61/ 189 - 190) .
(3) ينظر الباجي:"المنتقى" (6/ 21) ، و ابن مفلح:"المبدع": (5/ 329) و ابن الهمام:"فتح القدير": (6/ 204) .