إذا كانت التخمة تُمرض وتميت، فإن الحرمان يُمرض النفس ويُفتر عن العبادة، أما الوسطية فإنها تنشط النفس وتطهر روحانيتها. فالاعتدال توسُط بين التقييد والإسراف، وبين البخل والانفاق الزائد عن الحلال في المأكل والمشرب.
وقد حث رسول الهدى عليه السلام على الاعتدال وحضّ على التقليل من الطعام والشراب، فقال عليه الصلاة والسلام: (( الكافر يأكل في سبعة أمعاء، والمؤمن يأكل في معيّ واحد ) )رواه مسلم.
قال حاتم الطائي ذامًا كثرة الأكل:
فإنّك إنْ أعطيتَ بطنَك سُؤْلَه = وفرجَك نالا منتهى الذم أجمعا
إنّ الاعتدال، إذن هو: التوسط بين الجوع والتخمة، بالتقليل من كمية الطعام والشراب، دون أن ينقص عن حاجة البدن والعمل. وفي ذلك فوائد جمة منها: صحة الجسم، وجودة الفهم، وقوة الحفظ وقلة النوم، وخفة النفس. قال بعض الحكماء: أكبر الدواء تقدير الغذاء.
وفي المقابل، فإن الإقبال على الطعام بشره زائد، يجعل الأغذية عند النهمين المسرفين هدفًا وغاية، يبذلون من أجلها الأموال الباهظة، ويمضون أوقاتًا طويلة في الأسواق، يشترون ألوان الأطعمة. وهؤلاء الذين جعلوا همهم بطونهم، وأهدافهم ملذاتهم وشهواتهم، يضنون بأموالهم عن مساعدة بائس أو إعانة فقير، فنتج عن ذلك بطون جائعة وأموال ضائعة.
إنّ الاسراف والتبذير والترف والمباهاة سلوكيات استهلاكية خطيرة دخلت مع الأسف حياة الناس، وشملت معظم جوانب الحياة المختلفة، فهناك التنويع في الأطعمة والأشربة في الدعوات العامة والمناسبات وولائم الأعراس التي تكلّف أموالًا طائلة، وهناك الموائد المفتوحة المشتملة على أصناف عديدة، لقاء مبالغ محددة